|
بقلم : د.وليد الخالدي الطور
الأول (بدايات - 1917): من البدايات الى
اكتمال عناصر نجاح الحركة. الطور
الثاني (1917-1948): من اكتمال عناصر النجاح
الى قيام الدولة اليهودية بالحرب. الطور
الثالث (1948-1967): هضم مكاسب الحرب وتثبيت
الذات. الطور
الرابع (1967-1997): من التوسع العسكري الى
الهيمنة على المشرق العربي. (…)
في كازينو بلدية بازل في سويسرا في 29 آب (أغسطس)
عام 1897 افتتح المؤتمر الصهيوني الأول
بدعوة من الصحافي اليهودي الهنغاري
ثيودور هرتزل ووضع الحجر الأساس للمنظمة
الصهيونية التي انبثقت عنها "اسرائيل"
بعد نصف قرن وهي المنظمة التي ما زالت تمد
الدولة اليهودية منذ لحظة ولادتها الى
يومنا هذا بكل أصناف المؤازرة والدعم. بافتتاح
المؤتمر الصهيوني الأول وبتأسيس المنظمة
الصهيونية زرعت بذور ما سمي بالقضية
الفلسطينية والادق ان يسمى بالصراع
الصهيوني - العربي الذي انطوى على ما
انطوى عليه من سعي دؤوب عنيد من قبل
الصهيونية لقلب موازين القوى الراهنة في
فلسطين وجوارها رأساً على عقب ولإحداث
ثورة جذرية في الأوضاع القائمة فيها على
المستويات كلها وعلى حساب شعوبها اذ غدت
"اسرائيل" اليوم بعد مئة عام وعبر
سلسلة من التطورات المحلية والإقليمية
والدولية وما رافقها من ويلات وحروب،
الدولة العظمى في موضع القلب من الوطن
العربي بين محيطه وخليجه وباتت الأمة
العربية أمام خطر ادعى واعظم من كل ما سبق
ان هددها منذ اندحار الصليبيين والمغول
ووضعت علامة استفهام كبرى على مجمل مصير
المشرق العربي ومستقبله. واستند
الفكر الصهيوني في كل هذا (وحتى العلماني
منه) الى مقدمة ( Premise)
أساسية
"أخلاقية عجيبة مفادها أن الصلة
التاريخية القديمة بفلسطين وان انقطعت
منذ آلاف السنين تمنح اليهود المعاصرين
اليوم حيثما كانوا أحقية في الحقوق
السياسية المصيرية تعلو على حقوق سكان
فلسطين وجوارها من غير اليهود منذ آلاف
السنين وتبرر اقتلاعهم والحلول محلهم
باسم "إحقاق الحق" عن طريق "عودة"
اليهود من "شتاتهم" الى البلاد "الأصل.
واستمد
الفكر الصهيوني الدعم المعنوي لهذه
المقولة من نظرة الاستعلاء على سائر
الشعوب المتأصلة في رأي البعض في النفس
اليهودية انطلاقاً من القناعة المتوارثة
لهم بان الشعب اليهودي إنما هو شعب الله
المختار كما استمده من استساغة الغرب
لهذه المقولة لأكثر من اعتبار ديني
ودنيوي. وهكذا رفض الفكر الصهيوني منذ
المؤتمر الصهيوني الأول رفضاً قاطعاً اي
ربط بين الفعل الصهيوني البادىء وردة
الفعل العربية التالية له واعتبر منذ ان
رأى النور ان حصانته المعنوية تجاه من
ستقع وطأته عليهم أمر مسلم به سلفاً بل حق
أزلي لليهود لا جدال فيه ولا نقاش. واذا
كانت مجريات التاريخ احياناً اعجب من
الخيال فمن اعجب مجريات التاريخ تطور
الحركة الصهيونية منذ بداياتها أواخر
القرن التاسع عشر وبخاصة منذ مؤتمر بازل
الأول الى ما وصلت اليه اليوم. ورأينا في
هذه المناسبة ان نحاول المستحيل وهو ان
نسعى الى اختزال أطوار الصهيونية
ومراحلها الكبرى خلال هذا القرن مركزين
على مسيرة الصهيونية ذاتها. ما
هي أطوار الصهيونية ومراحلها الكبرى كما
تبدو لنا؟ يتراءى لي انه يمكن تبيان
أربعة أطوار رئيسية تنقسم بدورها الى
مراحل مميزة ونعتبر نهاية كل طور منها
محطة مفصلية تتلوها مراحل تشكل في تراكم
آثارها التقدم نحو المحطة التالية وهكذا
الى نهاية الأطوار الأربعة التي حددناها
ولكي تتكون لدى القارىء منذ البداية صورة
إجمالية شاملة يستعين بها لتتبع ما
بالذهن نورد فيما يلي قائمة بالأطوار
الأربعة السالفة الذكر والمراحل التابعة
لها وهي تلخص في نظرنا نمو الصهيونية من
البدايات اي من طور من اقتصر عملياً على
البكاء على الأطلال (وهي حائط المبكى) الى
وضع هيمنة "اسرائيل" على المشرق
العربي الذي نعيش اليوم في وسطه. كنا
قد نوينا في بادىء الامر ان نباشر فوراً
في تناول كل من هذه الاطوار والمراحل
تباعاً ليس بقصد التأريخ لكل منها (وهي
مهمة تحتاج الى اكثر من مجلد لإيفائها
حقها) بل بقصد التعريف ببعض اهم خصائص كل
طور ومراحله والتعليق عليها، كما بقصد
التدليل على الترابط العضوي بين الاطوار
والمراحل كافة ولكننا عدنا وتوقفنا عند
الطور الاول ووصلنا الى قناعة كلية
بخطورته الحاسمة في سياق سائر الاطوار
وبانه انما يمثل البنية التحتية لكل ما
تلاه وذلك لاكتمال عناصر نجاح الحركة
الصهيونية اللازمة بانتهائه عام 1917 من
تعبئة للارادة السياسية اليهودية
الهادفة، الى بلورة فكرة الدولة
اليهودية كحل "للمعضلة اليهودية"
الى اتفاق على برنامج تنفيذي لتحقيق
الدولة، الى مأسسة الحركة الصهيونية في
اطار تمثيلي تشريعي اعلى (المؤتمر
الصهيوني والمنظمة الصهيونية) الى خلق
الآليات المركزية القومية المنفذة
ميدانياً من مؤسسات جباية واستثمار الى
اكتشف صيغة الاستيطان "المثالية" (المستعمرة
التعاونية الجماعية) الى تدشين
الدبلوماسية والدعاية الصهيونية
الدولية الى وضع الأسس التنظيمية
السياسية للجاليات اليهودية في بلاد
الشتات الى الحصول على دعم الدولة
الاستعمارية العظمى حينذاك وهي بريطانيا.
الطور
الاول: (من البدايات - 1917): من البدايات الى
اكتمال عناصر النجاح
المرحلة
الأولى: (بدايات 1897): من البدايات الى
بلورة فكرة الدولة اليهودية وتختلف
الصهيونية بهذا المفهوم اختلافاً كلياً
عن انتقال مجموعات من اليهود الى فلسطين
عبر العصور اثر الفتح الاسلامي لغايات
دينية صرفة من زيارة وعبارة ومجاورة بل
ان الاوساط الدينية اليهودية الاصيلة
وحتى بعد ظهور الصهيونية السياسية
بمفهوم هرتزل والى الأمس القريب ظلت في
سوادها الاعظم مناهضة للصهيونية على
اعتبار ان "عودة" الشعب اليهودي
الجماعية الى فلسطين انما هي مرهونة
بالارادة الإلهية وظهور المسيح وان اي
محاولة لاستباق هذه الارادة بالمبادرة
السياسية البشرية ان هي الا بدعة تنبذها
تعاليم الدين ولا تقرها اطلاقاً. وهكذا
وجدت في فلسطين قبيل ظهور الحركة
الصهيونية جاليات يهودية متدينة نصفها
من اليهود الشرقيين (السفرديم) والنصف
الاخر من الاوروبيين (اشكناز) على عداوة
وخلاف مزمن مع بعضهم بعضاً اقامت في
المدن الاربع المقدسة في نظرهم (الخليل
والقدس وطبريا وصفد). واعتبر هؤلاء ان
العيش خارج هذه المدن والعمل لكسب العيش
في اي حرفة او صنعة كانت، انما هو منافٍ
للدين يصرفهم عن التعبد والصلاة فكانوا
لذلك عالة دائمة على ابناء دينهم في
اوروبا حيث جمعت لهم الصدقات سنوياً
كسباً للأجر والثواب لسد حاجاتهم
المعيشية ووفق نظام عرف بـ"الهالوكا"
وكان عدد هؤلاء اليهود المتدينين
المقيمين في فلسطين عند بدء الحركة
الصهيونية في اوائل الثمانينات من القرن
التاسع عشر حوالى 40,000 وكان البكاء عند
حائط البراق ("حائط المبكى") بالقدس
من اهم اعرافهم بدأ العمل به في اوائل
القرن السادس عشر ميلادي بعيد دخول
العثمانيين المدينة علماً بان العرف
الأقدم كان الوقوف على جبل الزيتون شرقي
القدس في مناسبات معينة لتأمل ما اعتبر
موقع هيكل سليمان والتحسر على اطلاله. سبق
عدد من مفكري اليهود هرتزل في بلورة
الفكر الصهيوني اهمهم خمسة: كاليشير
(1795-1874) وموزيس هس (1812-1875) وينسكر (1821-1891)
وموهيليفير (1824-1898) وغينزبرغ (1856-1927). تحدى
الحاخام كاليشير البروسي المولد الإجماع
الديني السائد بان افتى بان العمل
الميداني الاستيطاني في فلسطين يجب ان
يسبق ظهور المسيح المنتظر وان المعجزة
الربانية في خلاص اليهود ستلي حتماً مثل
هذا العمل فزرع بهذه الفتوى "المارقة"
بنور التوليف اللاحق بين الصهيونية
والفكر الديني اليهودي. وجزم موزيس هس
الالماني المولد والاشتراكي العلماني
زميل كارل ماركس باستحالة النهوض
باليهودية في الشتات الاوروبي المسيحي
وبوجوب اقامة دولة يهودية في فلسطين كشرط
مسق لإعادة إحياء اليهودية سياسياً وكان
على قناعة بان الدول المسيحية وعلى رأسها
فرنسا ستقدم العون لليهود لتحقيق هذا
الهدف. وحذر بنسكر الروسي المولد من
الوهم بان اللاسامية على طريق الاضمحلال
نظراً لان اليهود يعتبرون اغراباً حيثما
وجدوا وانه كلما وصل عددهم في اي بلد م
"حد الاشباع" نتج اضطهادهم تلقائياً
تبعاً لذلك، ودعا الى انشاء مركز قومي
وسياسي خاص بهم من دون تحديد مكانه والى
تنظيم مؤتمر قومي لاختيار البلد وتنظيم
الهجرة اليه. وصب فكر الحاخام موهيليفر
الروسي المولد في مصب فكر سلفه كاليشير
اذ دعا الى دراسة علوم الزراعة اضافة الى
الدراسات الدينية وذهب في حثه على
الاستيطان الى القول "بان الله يفضل ان
يعيش مع ابنائه في ارضهم (فلسطين) حتى ولو
لم يتقيدوا بتعاليم التوراة على ان يظلوا
في الشتات متقيدين بها". وشدد غنزبرغ
الروسي المولد على ان الدولة اليهودية
المرتجاة لا يجوز ان تكون ملجأ فحسب
للشعب اليهودي وانه لا بد من فترة انتقال
طويلة قبل انشائها يتم فيها عن طريق
تثقيف الذات قومياً وروحياً التخلص من
ادران الشتات البغيضة ومن الميوعة في
الاخلاق اليهودية والنزعة الخانعة الى
تقليد الغرب، لذلك وقف موقف الناقد لحركة
الاستيطان الصهيونية الجارية قبل
المؤتمر الصهيوني الاول وبعده. يتبين
لدارس هذه الكتابات ان اربعة عناصر
تتفاعل فيها: نظرة موغلة في التشاؤم
بالنسبة لأوضاع اليهود المستقبلية في
البلاد الاوروبية يردفها نفور من النزعة
اليهودية المتزايدة الى الاندماج فيها
مع توكيد على وجوب المحافظة على الهوية
اليهودية التراثية وتثبيتها واجماع على
الحيز المفضل لذلك انما هو فلسطين عن
طريق هجرة استيطانية جماعية اليها. ولا
شك في ان ظهور اللاسامية الاوروبية
العلمانية منذ اواسط القرن التاسع عشر
المتزامنة مع منح اليهود الحقوق المدنية
الكاملة في معظم الدول الاوروبية خلال
هذا القرن بتأثير الثورة الفرنسية
وتشريعات نابليون. احدثت صدمة نفسية
عنيفة لدى اليهود قاطبة حتى في الاوساط
الداعية الى الاندماج والتكيف في
اوطانهم الاوروبية بوحي من تعاليم
المصلح اليهودي الالماني موزز مندلسون
(1729-1786) وحركة التنوير اليهودية "الهمكالا"
التي اسسها. ونعني باللاسامية العلمانية
تلك الحركة التي رافقت ظهور العقيدة
القومية الاوروبية القائمة على مبدأي
النقاء العنصري والدولة الامة Nation
State
المتأثرة بالنظرية
الداروينية التي اكتسحت دول اوروبا خلال
القرن فجاءت لتضيف بعداً معاصراً للبعد
اللاهوتي لعداء اوروبا لليهود المتوارث
منذ نشوء المسيحية. وعبر عن هذه
اللاسامية الحديثة عدد من مفكري الغرب في
كتب تدل عناوينها على فحواها ومن اشهرها
كتاب "التفاوت بين الاجناس" لغوبينو
الإفرنسي الصادر عام 1853، وكتاب مار
الالماني بعنوان "انتصار اليهودية على
الالمانية" عام 1869" وكتاب درومنت
الافرنسي بعنوان "فرنسا اليهودية"
عام 1886. ولعل محاكمة الضابط اليهودي في
الجيش الفرنسي دريفوس عام 1894 من اشهر
الاحداث المرتبطة بانتشار اللاسامية
العلمانية في اوروبا الغربية، وحضرها
هرتزل بصفته الصحافية وكان لها الاثر
الحاسم في تطور عقيدته الصهيونية. ولم
تمض سنتان على حضور الصحافي الهنغاري
هرتزل محاكمة دريفوس حتى وضع كتيبه
بالالمانية عام 1896 (23,000 كلمة) بعنوان "دولة
اليهود" واعقبه بالدعوة الى انعقاد
مؤتمر يهودي عام لتنفيذ ما ورد فيه. لم
يأت هرتزل بجديد في تشخيصه للمعضلة
اليهودية او في وصفه للدولة اليهودية
كعلاج لها لكن الجديد كان في طرحه
المنهجي الهادىء وتوكيده الواثق على
الدولة كحل اكيد لما يعانيه اليهود في
المجتمعات الغربية واطمئنانه التام الى
امكان تحقيق الدولة عبر مقترحاته. واعتبر
هرتزل ان فكرة الدولة وامكان تحقيقها
تحتوي على قوة كامنة قادرة على تحريك
الشعب اليهودي وان اللاسامية الحديثة
جعلت من اليهود الذين فرقتهم تيارات
التنوير والاندماج شعباً Volk
واحداً متحداً واعظم قوة من ذي
قبل وان القضية اليهودية ليست قضية دينية
او اجتماعية (وان اتخذت هذه الاشكال
احياناً) ولكنها في الصميم قضية قومية
وان لا بد من تحويلها الى قضية سياسية
دولية لكسب التأييد الدولي للدولة
اليهودية كحل لها.
واكد
هرتزل ان الشعب اليهودي لا يقل وعياً او
ارادة او موارد او طاقات عن شعوب اليونان
ورومانيا والصرب والبلقان الذي حققوا
آمالهم حديثاً وان لدى اليهود حافز اضافي
هو اللاسامية. واقترح
هرتزل لتحقيق الدولة قيام هيئتين الاولى
"جمعية اليهود" Society
of Jews
والثانية الشركة اليهودية The
Jewish Company
، واعتبر الجمعية الاداة السياسية ذات
سلطة التقرير تقوم بكل الاعمال السياسية
المطلوبة من توعية الرأي العام اليهودي
والعالمي الى تنظيم الهجرة الجماعية الى
اختيار البلد المهاجر اليه الى اجراء
المفاوضات مع الدول الكبرى للحصول على
"البراءة" Charter
التي تعترف بالسيادة اليهودية
على البلد المختار.
ويذكر
ان هرتزل لم يحدد هذا البلد في كتابه بل
تساءل "هل يكون البلد فلسطين ام
الارجنتين؟ سنأخذ ما يعرض علينا وما
يختاره الرأي العام اليهودي". اما
الشركة فتتولى جمع المال وتنظيم التجارة
والصناعة في البلد المختار وتصفية
ممتلكات اليهود في اوروبا وشراء الاراضي
ومدّ المهاجرين بالمساكن والادوات
والقروض وتكون الشركة مساهمة محدودة
برأس مال قدره مئتا مليون دولار تسجل في
لندن تحت الحماية البريطانية اما المال
فأسهل مصدر للحصول عليه هو كبار
المتمولين اليهود فان تعذر فيحصل عليه من
البنوك الصغيرة وان تعذر فمن الاكتتاب
الشعبي اليهودي.
المرحلة
الثانية (1897-1914): من المؤتمر الصهيوني
الاول الى الحرب الكونية الاولى وكان
اكبر مستودع بشري يهودي يضم حوالى خمسة
ملايين منهم يخضع للحكم القيصري الذي حصر
اقامتهم في مقاطعاته الغربية البولندية
من دون سائر انحاء روسيا وعرفت هذه
المقاطعة التي امتدت من بحر البلطيق
الى البحر الاسود بـ Pale
of Settlement
اي "الفناء" وضيق عليهم وتكررت
الهجمات الجماهيرية الروسية التي عرفت
بـالبغروم Pogrom
على الجاليات اليهودية فيها مما دفعها
الى الهجرة خارج روسيا فتدفقت جموعهم نحو
الولايات المتحدة الامريكية ودخلها منهم
600,000 بين 1881 و1899 و 1,450,000 آخرون ما بين 1899 و
1914. مقارنة
بهذه الهجرة لمئات الآلاف من اليهود الى
الولايات المتحدة لم تزد هجرة اليهود الى
فلسطين بدافع الصهيونية خلال الفترة
ذاتها اي في العقدين السابقين والتاليين
للمؤتمر الصهيوني الاول (1880-1914) على 50,000
وجاءت هذه الهجرة في موجتين: الاولى من
"الفناء" ومن رومانيا بين 1882-1903
وعددها حوالى 6000 والثانية معظمها من "الفناء"
بين 1904-1914 وعددها حوالى 40,000. وعلى رغم قلة
عدد هؤلاء المهاجرين فقد كان لدخولهم
فلسطين في هذه الفترة بالغ الاثر على
مستقبل الحركة الصهيونية ذلك انهم شكلوا
النواة البشرية اللازمة للمجتمع
الصهيوني الجديد المزمع انشاءه من حيث
نظرتهم الاستعلائية على اهل البلاد من
العرب وطموحاتهم القومية وخبراتهم
المتنوعة المستقاة من بيئة "الفضاء"
القاسية ونظرياتهم الاجتماعية حصيلة
احتكاكهم بتيارات روسيا واوروبا الفكرية
عشية الثورة البلشفية. وضع
المؤتمر الصهيوني الاول بزعامة هيرتزل
برنامج الحركة الصهيونية الذي عرف "ببرنامج
بازل" واستمر العمل به الى ان حل محله
عام 1951 "برنامج القدس" الذي وضع في
اول مؤتمر ينعقد بع قيام دولة "اسرائيل".
وحدد البرنامج غاية الصهيونية
بالالمانية على انها "خلق مسكن ( Heimstatte)
للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه "القانون
العام" واقرب تعبير بالانكليزية لـ Heimstatte
هو Homestead
الذي يعني "مكان منزل المرء" وكان
هدف هرتزل من الاصرار على هذه الصياغة،
وهو الداعي جهاراً الى قيام الدولة
اليهودية، التخفيف من مخاوف كل من الدولة
العثمانية وحلفائها والمتدينين اليهود
وكبار اثريائهم من دعاة الاندماج
بالمجتمعات الاوروبية فأرسى بذلك سابقة
في التمويه على الهدف من دون التخلي عنه
اصبحت من اهم ركائز الاستراتيجية
الصهيونية فيما بعد. اما الوسائل التي
حددها برنامج بازل لتحقيق الغاية
المعلنة فهي: وصل
هرتزل مبكراً الى قناعة راسخة بان اولى
اولويات العمل الصهيوني يجب ان تكون
الحصول على "براءة" شرعية Charter
لاستيطان فلسطين من الدولة
العثمانية ولا شك في ان نموذجية للبراءة
كانت تلك البراءات التي منحتها الدول
الاستعمارية الكبرى بريطانيا وهولندا
عبر القرون الى شركات خاصة للاستثمار
والاستيطان في مناطق اسيوية وافريقية
بدأ بـ"شركة الهند الشرقية"
البريطانية في اوائل القرن السابع عشر
وانتهاء بالبراءة التي منحتها الحكومة
البريطانية عام 1899 الى "شركة افريقيا
الجنوبية" التابعة لسيسل رودس
لاستعمار منطقة "الزمبيزي" واستعان
هرتزل بقيصر المانيا للتأثير على
السلطان عبدالحميد عام 1898 فسأله القيصر
"قل لي بكلمة ماذا تريدني ان اطلب من
السلطان" فأجاب هرتزل "شركة ذات
براءة Chartered
Company
تحت الحماية الالمانية"
وفشل هرتزل في مساعيه مع القيصر كما فشل
في مساعيه مع السلطان عبدالحميد الذي
قابله عام 1901. وعلى اثر فشله هذا لدى
اسطنبول اتجه هرتزل في سعيه نحو مانحة
البراءات العظمى: بريطانيا… وفي عام 1902
قابل وزير المستعمرات البريطاني جوزيف
شمبرلين واقترح هرتزل عليه استيطان
منطقة العريش في سيناء فوافق شمبرلين الا
ان المحادثات مع الحكومة المصرية اخفقت
فما كان من شمبرلين نفسه الا ان عرض عام
1903 على هرتزل براءة لاستيطان افريقيا
الشرقية ولحرص هرتزل على الحصول على
براءة من بريطانيا بالذات اقترح على
المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903 ايفاد
بعثة لتقصي اوضاع المنطقة الافريقية
المقترحة مما اثار معارضة شديدة داخل
المؤتمر اتهمت هرتزل "بخيانة
الصهيونية" لتخليه عن فلسطين. ومع ان
مشروع افريقيا لم يتحقق وتوفي هرتزل في
العام التالي فقد نجح هرتزل في تنبيه
حركته الى اهمية البراءة القصوى كما نجح
عبر المؤتمر الصهيوني واتصالاته مع
صانعي القرار في وضع الحركة الصهيونية
على خريطة الدبلوماسية الدولية وفي
استدرار عرضين استيطانيين من اكبر عاصمة
استعمارية في العالم. وقامت
خلال هذه المرحلة اثناء حياة هرتزل وبعد
وفاته بعض اهم المؤسسات الصهيونية وعلى
رأسها المنظمة الصهيونية ذاتها التي
اصبح المؤتمر هيئتها التشريعية
والسياسية العليا وضمنت المنظمة امكان
كسب قاعدة شعبية لها على اسس تمثيلية
ديمقراطية عبر نظام "الشاقل" بقيمة
رمزية قدرها مارك واحد او فرنك او شلن
ينتخب كل مئة دافع شاقل ممثلاً واحداً
عنهم في المؤتمر. وامن هذا المصدر دخلاً
لتغطية نفقات المؤتمر ذاته ونفقات لجنته
التنفيذية ومكتبها المنبثقتين عنه عن
طريق الانتخاب ايضاً. وضمنت هذه
الترتيبات استمرار المنظمة كمؤسسة لا
ذاتية تؤمن انتقال السلطة بالتتابع. وقام
التنظيم الصهيوني في مختلف البلاد على
اساس اللامركزية والتوافق مع القوانين
المرعية فارتبطت الجمعيات الصهيونية
المحلية طوعاً باتحاد عام Federation
لكل بلد ارتبط بدوره باللجنة التنفيذية
المركزية واقر مبكراً مبدأ التعددية
واضيف لتنظيم الاتحادات الافقي تنظيم
عمودي افسح المجال لانضمام احزاب
عقائدية غير مرتبطة ببلد معين عرفت
بالاتحادات المنفصلة Separate
Unions انتسبت عن طريقها الى
المنظمة فئات اشتراكية ومتدينة. وهكذا
ورغماً عن المعارضة الشديدة التي
واجهتها الصهيونية في بادىء الامر من
الاندماجيين ومن المتدينين عموماً،
اوجدت الاطر والمبادىء الكفيلة بتوسيع
دائرة التأييد لها الى اقصى الحدود عند
توفر الظروف الملائمة وغدت المنظمة
الصهيونية الهيئة اليهودية القادرة على
الادعاء بصدقية بتمثيل الشعب اليهودي
بأسره.
إضافة
الى المنظمة الصهيونية، تأسست مؤسستان
خطيرتان رسميتان أخريان اثناء حياة
هرتزل بقرار من المؤتمر الاستعماري
اليهودي Jewish
Colonial Trust
( عام 1899) والصندوق اليهودي القومي Jewish
National Fund
( عام 1901). اما الصندوق الاستعماري، وهو
الهيئة المالية الرئيسية للمنظمة
الصهيونية، فكان التجسيد لفكرة "الشركة
اليهودية" التي ذكرها هرتزل في كتابه
"دولة اليهود" والمرشحة لاستلام
البراءة من مانحيها وتأسس الصندوق في
لندن كشركة مساهمة محدودة برأس مال معلن
قدره مليونا جنيه اكتتب منه حوالى 400,000
جنيه فقط بسبب إحجام كبار المتمولين
اليهود عن المساهمة فيه، بيد انه لاقى
تجاوباً واسعاً لدى الفقراء اليهود
الذين اقبلوا على شراء اسهمه بسعر جنيه
واحد للسهم، لكونه يجمع للمرة الاولى في
تاريخ المؤسسات اليهودية بين هدفي الربح
المادي والخدمة القومية. وتفرغ عن الصدوق
عدة شركات مصرفية بدت على انها الادوات
الميدانية الصهيونية المفضلة آنذاك
واهمها "شركة الانجلو بالستين" (1803)
و"شركة انجلو ليفانتين المصرفية"
(1908) و"شركة تطوير اراضي فلسطين" Palestine
Land Development Co. ( 1908
) وجميعها سجلت في لندن كشركات مساهمة
محدودة وأسست "الانجلو بالستين"
فروعاً لها في كل من بيروت والقدس ويافا
والخليل وحيفا وصفد وطبريا، بينما أسست
"الانجلو ليفانتين" فرعاً في
اسطنبول، اما "شركة تطوير اراضي
فلسطين" فأصبحت الاداة الرئيسة لشراء
الاراضي باسم "الصندوق القومي اليهودي"
وهو الصندوق الذي خصص لتمويل شراء
الاراضي في فلطين على ان تبقى ملكاً
للشعب اليهودي غير قابل للتصرف وتؤجر
لليهود من دون سواهم ولا يسمح لغير
اليهود العمل فيها. وتم تسجيل الصندوق في
لندن كشركة "محدودة بالكفالة وبدون
رأس مال موزع في اسهم"، وقام الصندوق
على اساس الجباية الشعبية بواسطة طوابع
بريد وصناديق صغيرة خاصة وضعت في المنازل
والمؤسسات العامة حيثما وجدت جاليات
يهودية في العالم، فخلق بذلك حلقة واسعة
من اليهود العاديين المؤيدين مباشرة
لأهداف الصهيونية. والصندوق،
وان لم يلعب دوراً حاسماً في شراء
الاراضي في هذه المرحلة بالذات، فانه
لعبه في الطور المقبل وهو على كل حال جسد
منذ البداية عبر المبادىء التي قام عليها
خطوط الاستراتيجية الصهيونية
الاقتصادية الكبرى الهادفة الى انشاء
اقتصاد مستقبل منفصل عن اقتصاد عرب
فلسطين قاعدة لقيام الكيان السياسي
عليها لاحقاً. ومن
اهم المؤسسات الصهيونية في هذه المرحلة،
ان لم يكن اهمها ميدانياً، مكتب فلسطين The
Palestine Office الذي تأسس عام 1908
وعكس في نشاطاته توجه الحركة الصهيونية
بعد وفاة هرتزل وتجميد السعي للحصول على
ابراءة نحو العمل الاستيطاني المكثف
وتولى ادارته البيروقراطي البروسي الفذ
ارثور روبين (1876-1943) الذي جعل من المكتب
الهيئة المشرفة العليا على كافة
النشاطات الصهيونية في فلسطين، ونسق من
خلاله عمليات شراء الاراضي، ان من قبل
المؤسسات الصهيونية الرسمية او من قبل
شركات خاصة او افراد ووضع خطة جغراسية geopolitical
لشراء الاراضي تعتمد وجوب
الاستيطان المتصل على محاور ثلاثة: اولها
السهل الساحلي بين يافا وحيفا، وثانيها
السهل الداخلي بين حيفا وطبريا، وثالثها
حوض الاردن من طبريا الى اعالي النهر،
وهي الخطة التي تم تنفيذها في الطور
التالي وارست البنية التحتية الارضية
للدولة اليهودية. وروبين هو الذي رعى في
هذه المرحلة التجارب الاولى للقربة
الجماعية التعاونية (الكيبوتس) التي
اصبحت لاحقاً رأس حربة في اعقاب وعد
بلفور.
وتميزت
هذه المرحلة ايضاً بظهور تنظيم عمالي
حزبي بين صفوف مهاجري الموجة الثانية
(1903-1914) انبثق عن حزب "بوعالي زيون"
الماركسي والروسي الاصل وتزعم التنظيم
الفلسطيني منه ديفيد بن غوريون الروسي
البولوني الاصل (1886-1973) الذي دعا الى
ضرورة تكييف النظريات الماركسية
والاشتراكية الدولية مع ظروف العمال
اليهود في فلسطين، ذلك ان هؤلاء يسعون
الى تأسيس وطن قومي لهم فيها فطالب بـ"الاستيلاء
على العمل" Conquest
of Labour في المستعمرات.
والمنشآت
اليهودية في فلسطين، اي عدم السماح للعرب
بالعمل فيها. وهكذا تم التلاقي بين
القاعدة العمالية الشعبية والمؤسسة
السياسية الصهيونية حول وجوب انفصال
الاقتصاد الصهيوني عن الاقتصاد العربي،
ووضعت اسس التحالف السياسي اللاحق
بينهما وفي الوقت نفسه تألفت اول مجموعة
عمالية مسلحة يهودية باسم Hashomer
( 1908 )
" الحارس" التي كان من اهم
اهدافها اخراج الحراس العرب من
المستعمرات اليهودي فجاءت نذيراً مبكراً
بما هو آت. والمفارقة
الكبرى طوال هذه الفترة هي حاجة المنظمة
الصهيونية الى المال، بسبب موقف كبار
المتمولين اليهود منها، غير ان كبار
المتمولين اياهم هم الذين سدوا هذه
الثغرة ليس عبر المنظمة او مؤسساتها، لكن
بما قدموه مباشرة الى المستوطنين في
فلسطين، وكان على رأس هؤلاء المتمولين من
غير الصهاينة اسماً ( Non-Zionist)
البارون ادموند روتشيلد (1845-1935) عميد
الفرع الفرنسي للعائلة الذي لولا ما تبرع
به لانهار حركة الاستيطان الصهيونية
بكاملها ما بين اوائل الثمانينات وعام 1914،
فقد بلغ مثلاً ما انفقته جمعية "احباء
صهيون" وهي اكبر جمعية روسية صهيونية
في "فناء الاستيطان" مثلت عشرات
الآلاف من الاتباع، بلغ ما انفقته في
فلسطين بين 1884 وانعقاد المؤتمر الصهيوني
الاول عام 1897 مليوني فرنك، بينما لا بلغ
ما انفقه روتشيلد بمفرده خلال الفترة
ذاتها اربعين مليون فرنك. وهكذا مهما
اختلفت دوافع الاطراف اليهودية العدة،
فان الظاهرة المواكبة لتطور الصهيونية
الى الآن تشير الى ان مساعي هذه الاطراف
جميعاً تصب دوماً في مصب واحد.
المرحلة
الثالثة (1914-1917) من بداية الحرب الكونية
الاولى الى وعد بلفور ومع
ان الامبراطورية العثمانية غدت في القرن
التاسع عشر "رجل اوروبا المريض" الا
ان سياسة بريطانيا العظمى الثابتة كانت
الحفاظ عليها تجاه اطماع روسيا القيصرية
الى ان قررت بريطانيا احتلال مصر عام 1882
ومنذ ذلك الحين اخذت الهوة تتسع بين
اسطنبول ولندن وتضيق بين الاولى وبلين
وهكذا عند اندلاع الحرب الكونية الاولى
حاربت الدولة العثمانية بجانب المانيا
والنمسا - هنغاريا ضد التحالف الثلاثي
المؤلف من روسيا وبريطانيا وفرنسا الذي
انضمت اليه الولايات المتحدة لاحقاً. وباشتراك
اسطنبول في القتال برز احتمال هزيمتها
وبالتالي مصير ولاياتها العربية بما
فيها فلسطين بعد الحجرب وعلى اثر فشل
جمال باشا قائد الجيش العثماني الرابع في
اقتحام قناة السويس عام 1915 واستلام
القوات البريطانية المرابطة في مصر تحت
قيادة الجنرال اللنبي زمام المبادة زاد
احتمال هزيمة الدولة العثمانية ودخول
جيوش اللنبي الولايات العربية وزاد معه
نشاط الاطراف المعنية في التداول
والتفاوض فيما بينها بالنسبة لمستقبل
هذه الولايات. فكانت المحادثات بين
الشريف حسين والمندوب السامي البريطاني
في مصر السير هنري مكماهون (تموز / يوليو
1915 آذار / مارس 1916) ومعاهدة سايكس - بيكو
البريطانية - الفرنسية (ايار / مايو 1916)
والمحادثات بين بريطانيا وامريكا
والمنظمة الصهيونية (1915 - 1917) التي افضت
الى وعد بلفور. ومحادثات
الشريف - مكماهون لا تعنينا هنا مباشرة
سوى للتذكير بان وعود بريطانيا حينذاك
وسائر وعود العواصم الغربية في اكثر من
قارة منذئذٍ الى العرب لا تتعدى قيمتها
في معظمها قيمة الحبر والورق المستنفدين
في كتابتها. اما معاهدة سايكس-بيكو فقد
عكست اعتراف الحليفين المحاربين
الكبيرين التبال بـ"حقوق" في المشرق
العربي كما عكست شرههما على اقتسام غنائم
الحرب فيما بينهما والواقع ان هذا
الاتفاق الثنائي كان جزءاً من اتفاق
ثلاثي ضم روسيا القيصرية وشمل تقسيم
الولايات العربية، ويلاحظ بالنسبة الى
الدول العربية المزمع انشاؤها انها
محاطة باليابسة لا منفذ لها الى البحر
سوى عبر النقب جنوب غزة بينما الساحل
اللبناني - السوري يقع تحت الحكم
البريطاني المباشر ويقع النصف الجنوبي
من العراق والمحاذي لخليج العرب تحت
الحكم البريطاني المباشر اما بالنسبة
الى فلسطين فنصت معاهدة سايكس - بيكو ان
تكون من غزة الى شمال عكا وغرب نهر الاردن
تحت حكم "دولي" International
من دون تحديد صفته على ان تحكم
بريطانيا خليج عكا - حيفا والسهل بينهما.
لم
تكن المنظمة الصهيونية عن اندلاع الحرب
او خلالها في وضع تحسد عليه بصفتها منظمة
دولية لها فروع في جميع الدول التجارية.
فبينما كان مقر لجنتها التنفيذية الرسمي
(الكتب) في برلين كان معظم مؤيديها في "فناء
الاستيطان الروسي" ومستعمراتها في
فلسطين حين امر جمال باشا بطرد احد عشر
الف يهودي منها لكونهم من التبعية
الروسية بينما كانت مؤسساتها المالية
الكبرى في لندن، وتمكنت المنظمة ليس من
تخطي هذه العقبات الكأداء فحسب بل وايضاً
من التقدم بخطوات عملاقة تجاه اهدافها
وبزغت المنتصرة الاولى في الشرق الاوسط
في تسوية ما بعد الحرب على رغم وجود مقرها
في عاصمة الحلف المنهزم، فكيف كان ذلك؟. كان
من الطبيعي ان يفكر مكتب اللجنة
التنفيذية للمنظمة الصهيونية في بادىء
الامر بالانتقال الى عاصمة محايدة على
انه ما لبث ان ادرك ان انسحابه من برلين
سيؤدي الى فقدان اي نفوذ له فيها،
وبالتالي الى فقدان وسائل التأثير على
اسطنبول عبر برلين للتخفيف من تدابير
الاولى ضد المستوطنين في فلسطين. لذلك
قرر البقاء في برلين اضافة الى فتح مكتب
له في عاصمة محايدة (كوبنهاغن) ليكون صلة
الوصل بينه وبين سائر العالم الا ان
الخطوة الاخطر والاكبر شأناً كان القرار
بنقل مركز الثقل للنشاط السياسي
الصهيوني الى الولايات المتحدة لوجود
اغنى جالية يهودية في العالم فيها
واكبرها خارج "فناء الاستيطان"
الروسي ولكون الولايات المتحدة بلداً
محايداً حافظ على حياده لغاية نيسان (ابريل)
1917 عندما اعلن الحرب على المانيا من دون
الدولة العثمانية واردف المكتب قراره
هذا بإيفاده احد اعضائه ناحوم سوكولوف
(1859-1936) الروسي - البولوني المولد الى
بريطانيا لتمثيل المنظمة فيها وشهدت
السنون القليلة التالية الحصيلة العجيبة
للتنسيق المحكم بين النشاط الصهيوني
الدبلوماسي في كل من البلدين: الولايات
المتحدة وبريطانيا. بلغ
عدد يهود امريكا عند اندلاع الحرب
الكونية الاولى حوالى ثلاثة ملايين جاء
معظمهم من "فناء الاستيطان" الروسي
كما اسلفنا. اما النخبة فكان معظمهم من
اصل الماني جاؤوا قبل اليهود الروس
وكانوا باستثناء اقلية صهيونية من دعاة
الاصلاح ( Reform)
والاندماج وحريصين على إثبات ولائهم الى
الولايات المتحدة فكان شعارهم "هذا
البلد فلسطيننا وهذه المدينة قدسنا وبيت
الله هذا معبدنا" ولم يتجاوز اعضاء
الاتحاد الصهيوني الامريكي عام 1914 الـ12,00
بينما لم تتجاوز ميزانية 15,000 دولار، الا
انه لم يلبث ان انقلب الوضع في بضعة سنين
رأساً على عقب ويعود ذلك في اكثره الى فرد
يهودي واحد هو القانون لويس برانديس
(1856-1941) الامريكي المولد. تخرج
براندس في الحقوق من جامعة هارفرد وتخصص
في النزاعات بين العمال واصحاب العمل
وتبنى جانب المستهلك والعالم واشتهر
وسمي "نصير الشعب" وجلب انظار
الدوائر الليبيرالية وكان من ابرز من
اعجب به وودرو ولسن (1856-1924) رئيس الولايات
المتحدة (1913-1921) الذي اصبح برانديس من اهم
مستشاريه ومن اقرب المقربين لديه وعينه
عضواً في محكمة الولايات المتحدة العليا
عام 1916 وهو اول يهودي يحتل هذا المنصب
الرفيع. قبل
برانديس طلب المنظمة الصهيونية في آب (أغسطس)
1914 اي بعيد اندلاع الحرب ان يتولى رئاسة
اللجنة التنفيذية المؤقتة Provisional
Executive Committee التي تألفت في
الولايات المتحدة وقامت عملياً مقام
مكتب المنظمة المعطل في برلين وكان من
اول اولوياتها حماية المستوطنين في
فلسطين ومدهم بالمساعدات والمال
والتخطيط والتسوية بعد الحرب بالنسبة
لفلسطين ولأوضاع الاقليات اليهودية
عموماً في اوروبا، فاندفع برانديس في
تنظيم الاتحاد الصهيوني الامريكي
والتجنيد له وفي زيادة موارده وجمع المال
والمؤن وارسالها على سفن البحرية
الامريكية الى فلسطين واقنع واشنطن بنقل
اليهود الذين طردهم جمال باشا الى مصر
على هذه السفن ايضاً، وحفّز الخارجية
الامريكية للتوسط لدى اسطنبول للتخفيف
على المستوطنين وبدء سلسلة لقاءات مع
سفيري بريطانيا وفرنسا في واشنطن
بالنسبة لمستقبل المشرق، وتم كل هذا
بمعرفة الرئيس ولسن ورضاه.
وتصدى
برانديس لما له من نفوذ معنوي وسياسي
لتهمة "الولاء المزدوج" التي وسمت
الصهيونية بها من قبل انصار الاصلاح من
اليهود ومن غيرهم من اعدائها فدعا جهاراً
الى رفض نظرية "وعاء الانصهار" Melting
Pot نموذجاً للمجتمع الامريكي
المختلط العناصر وطالب باعتماد "التعددية
الحضارية" Cultural Pluralism نموذجاً
بديلاً معلناً ان "امريكا تعتبر
التنوع دون النسق الموحد درب التقدم
الصحيح" وان" كل يهودي امريكي يساعد
في استيطان اليهود فلسطين حتى اذا لم
يرغب لنفسه او لأحفاده الهجرة اليها يغدو
انساناً افضل وامريكياً افضل بهذه
المساعدة" ففتح الباب بذلك للنشاط
الصهيوني في امريكا على مصراعيه والى
يومنا هذا. وما ان حل عام 1919 حتى كان عدد
اعضاء الاتحاد الصهيوني الامريكي قد قفز
نتيجة لذلك الى 176,000 وميزانيته الى 3
ملايين دولار.
في
هذه الاثناء كان يتحرك على الساحة
البريطانية زعيم صهيوني اخر فذ هو
الدكتور حاييم وايزمن (1874-1952) الروسي
المولد وخريج جامعات المانيا في
الكيمياء، وكان وايزمان في المؤتمرات
الصهيونية المتعاقبة من اشد المعارضين
لسياسة هرتزل القائمة على "البراءة
اولاً" ولمشروع افريقيا الشرقية
بالذات وغادر اوروبا سنة وفاة هرتزل (1904)
لينتقل نهائياً الى بريطانيا حين التحق
بجامعة مانشستر محاضراً في مادة
الكيمياء. وعلى
رغم كونه عضواً في لجنة المنظمة
التنفيذية الا ان وايزمان لم يكن عضو
مكتب اللجنة وبالتالي لم يتكن له صفة
رسمية لتمثيل المنظمة كالتي كانت
لسوكولوف. ومع ذلك اصبح لقوة شخصيته
ودهائه وسعة اتصالاته القائد الفعلي
للدبلوماسية الصهيونية في بريطانيا خلال
الحرب. وقد وصف وايزمان نفسه بانه "ججنائني"
وليس مهندساً فهو يزرع "بصلة" في
التربة الخصبة حيثما يجدها ويرعاها
جميعاً بعناية وطول نفس الى ان تنضج
ويحين قطافها. ولم
يكن الوضع بالنسبة للحركة الصهيونية في
بريطانيا ليختلف كثيراً عنه في الولايات
المتحدة عند بدء الحرب بأكثرية النخبة
اليهودية اندماجية النزعة حريصة كل
الحرص على تفادي تهمة "الولاء المزدوج"
ومناهضة الصهيونية على ااس ان اليهودية
دين واليهود لا يشكلون شعباً بحاجة الى
وطن غير البلاد التي تقطنها الجاليات
اليهودية العدة. وكانت تمثل هذه الاكثرية
النخبوية تجاه الحكومة البريطانية "لجنة
مشتركة للشؤون الخارجية" انتظمت فيها
الهيئات الرئيسية اليهودية في بريطانيا
وكان ابرز قادتها اللورد ادوين مونتاغيو
(1879-1924) الوزير في وزارة كل من هربرت
اسكويت (1906-1922) التي تلتها واللتين قادتا
البلاد خلال سني الحرب. على
انه كما في الولايات المتحدة كان
للصهيونية بؤر ملتزمة ناشطة ذات صلات
واسعة بالمؤسسة الحاكمة البريطانية ما
لبث ان اقام وايزمان معها اوثق العلاقات
ليصبح قائدها ومرشدها في الشؤون
الصهيونية ومسخراً اياها لاغراض منظمته. وينقسم
نشاط وايزمن منذ قدومه الى بريطانيا عام
1904 ولغاية وعد بلفور (1917) الى اقسام ثلاثة:
فترة ما قبل الحرب، فترة ما تبقى من وزارة
هربرت اسكويت (1914-1916) في سني الحرب
الاولى، وفترة وزارة لويد جورج، ففي
الفترة الاولى كانت قاعدة وايزمان
الاساسية العدائل الثلاثة اليهود
الصهيونيين المقيمين في مانشستر الذين
عرفوا بـ"عصبة مانشستر" وهم سايمون
ماركس ابن مؤسسة شبكة مخازن "ماركس اند
سبنسر" الكبرى واسرائيل سيف رئيس
الشبكة وهاري ساكر كاتب الافتتاحيات في
جريدة "المانشستر غارديان" اليومية
الواسعة الانتشار لصاحبها شارلز سكوت
المسيحي عضو حزب الاحرار في البرلمان
والصديق الحميم والمستشار المقرب لـ
لويد جورج وزير المال ثم العتاد الحربي
في وزارة اسكويت، وخلف اسكويت في رئاسة
الوزارة الذي كان بصفته محام قد مثل
المنظمة الصهيونية في المحادثات الخاصة
في افريقيا الشرقية بينها وبين الحكومة
البريطانية عام 1903. ولعل
اهم حدث بالنسبة لنشاط وايزمان في هذه
الفترة كان مقابلته الاولى لـ آرثر بلفور
(صاحب الوعد لاحقاً) عام 1906 بواسطة عضو
البرلمان المحافظ اليهودي الصهيوني
شارلز درايفوس بطلب من بلفور الذي كان
حريصاً على معرفة الاسباب الحقيقية لرفض
المنظمة الصهيونية لمشروع افريقيا
الشرقية الذي كانت الحكومة البريطانية
قد قدمته اليها عندما كان بلفور نفسه
رئيساً للوزارة (1901-1905) وارست هذه
المقابلة اسس صداقة متينة واعجاب متبادل
بين وايزمان وبلفور. وما
ان اندلعت الحرب حتى باشرت "المانشستر
غارديان" بالدعوة بتوجيه صاحبها سكوت
الى ضم فلسطين في اي تسوية بعد الحرب الى
الامبراطورية البريطانية وبالتحذير من
"سقوطها" تحت الحكم الفرنسي حفاظاً
على مصلحة الامبراطورية العليا وضماناً
لأمن قناة السويس. وفي الوقت نفسه ارتفع
صوت من داخل وزارة اسكويت في شخص الوزير
هربرت صموئيل اليهودي الصهيوني (1870-1963)
واول مندوب سام بريطاني في فلطين لاحقاً
(1920-1925) الذي ذهب الى ابعد مما ذهب اليه
سكوت (ولم يكن بعد قد قابل وايزمان)
واقترح على زميله في الوزارة لويد جورج
انشاء دولة يهودية في فلسطين بعد الحرب
باسم الحفاظ على امن الامبراطورية
البريطانية ايضاً واردف ذلك بعد مقابلة
وايزمان بمذكرة خطية الى الوزارة بهذا
المعنى في كانون الثاني (يناير) 1915 ولم
يلبث ان تعرف سكوت على وايزمان بواسطة
هاري ساكر كاتب الافتتاحيات في "المانشستر
غارديان" اياه فعرفه بدوره على صديقه
لويد جورج وهكذا وجد وايزمان نفسه في قلب
دائرة صنع القرار البريطانية. ومما
زاد في ترسيخ اقدامه داخل هذه الدائرة
انه وهو الكيميائي الماهر اكتشف في هذه
الفترة وسيلة لانتاج مادة "الاسيتون"
الاساسية لصنع المتفجرات مما ازال
اعتماد بريطانيا على استيراد موادها من
وراء البحار فعين عام 1916 رئيساً لمختبر
الاميرالية البريطانية (الوزارة البحرية)
في لندن الامر الذي يسر عليه اتصالاته
وقربه اكثر فأكثر من كبار الوزراء امثال
ونستون تشرشل وزير البحرية ولويد جورج
وزير العتاد الحربي وآرثر بلفور وزير
الخارجية. وفي هذه الاثناء تبلورت
المطالب الصهيوني بإرشاد وايزمان وقدم
في تشرين الاول (اكتوبر) "برنامجاً"
الى الحكومة البريطانية "لاعادة"
استيطان فلسطين من قبل اليهود عن طريق
الهجرة الجماعية من الخارج بهدف انشاء
"مسكنهم" ( Home)
فيها وعلى اساس الاعتراف بالجنسية
اليهودية المنفصلة Separate
Jewish Nationality على ان تمنح
المنظمة الصهيونية "براءة" ( Charter)
تتولها "شركة يهودية" Jewish
Company لهذا الغرض. وطالب
البرنامج بسلطات واسعة للشركة تتضمن حق
الافضلية في الحصول على "اراضي الدولة
واي اراض اخرى… وعلى جميع او اية
امتيازات Cojncessronsa كما طالب
بحق انشاء السكك الحديدية والطرق وشبكات
التلغراف والتلفون وبناء الموانىء
واحواض السفن وتأسيس شركات الشحن البحري.
ويلاحظ التطابق التام بين برنامج
وايزمان مع ازاء هرتزل ومساعيه ومع "برنامج
بازل" الذي وضعه المؤتمر الصهيوني
الاول.
لم
يتأثر رئيس الوزارة اسكويت بهذا كله بل
كان هزأ من مذكرة هربرت صموئيل لعام 1915
واعرب عن دهشته ان تصدر عنه مثل هذه
الاراء الخيالية ولكن ايام اسكويث في
الحكم كانت قد قاربت من النهاية. تبدأ
فترة نشاط وايزمان الثالثة والحاسمة
بسقوط اسكويت في كانون الاول (ديسمبر) 1916
وتولى لويد جورج رئاسة الوزارة مع حفاظ
بلفور على منصب وزير الخارجية. وفي كانون
الثاني (يناير) 1917 يلتقي وايزمان بسايكس
للمرة الاولى وكان سايكس غير مرتاح للصفة
الدولية التي نصت عليها معاهدته مع بيكو
ذلك ان بمفهوم 1917 كانت هذه الصفة تعني
عملياً حكماً مشتركاً بريطانياً-فرنسياً
لم تكن بريطانيا لتسعد له فكانت هذه
الارضية المشتركة بين سايكس ووايزمان
علماً بان سايكس كان المسؤول الاول عن
شؤون الشرق الاوسط في الخارجية
البريطانية ومساعد سكرتير وزارة الحرب
لشؤون المنطقة. وبدأت منذ هذا اللقاء
سلسلة اجتماعات بين الاثنين نصح سايكس
وايزمان فيها بالاكتفاء في تلك المرحلة
بصيغة مختصرة لمطالب الصهيونية تعرض على
وزارة الحرب عوضاً عن "برنامج 1916". وبدخول
امريكا الحرب ضد المانيا (وليس ضد الدولة
العثمانية) في نيسان (ابريل) 1917 حرصت
بريطانيا على التنسيق مع واشنطن وبرزت
اهمية موقع برانديس فيها نظراً لقربه من
وونرو ويلسون فزار بلفور واسنطن واشنطن
وقابل كل من ويلسون وبرانديس. وكان
برانديس في هذه الاثناء قد تلقى صيغة
اولى لمطالب الصهيونية من وايزمان عملاً
بنصيحة سايكس كان قد بحثها مع ويلسون قبل
مجيء بلفور ولم يبحث بلفور المطالب
الصهيونية مع ويلسون مباشرة لكنه اطلعه
على معاهدة سايكس - بيكو السرية
وبالمقابل بحث هذه المطالب مع برانديس
الذي اكد له تأييد ويلسون لها. وبانتشار
انباء الاتصالات بين الحكومة البريطانية
والحركة الصهيونية اشتد في لندن النزاع
العلني بين مؤيدي الصهيونية ومعارضيها
من اليهود. وكما حصل في الولايات المتحدة
عزز التأييد الرسمي الحكومي للصهيونية
موقف الفريق الصهيوني تجاه الفريق
اليهودي المعارض ولكن في الوقت نفسه
اربكت المعارضة اليهودية الشديدة
للصهيونية مؤيدي الصهيونية داخل الحكومة
البريطانية. وفي 24 ايار (مايو) 1917 نشرت "اللجنة
المشتركة اليهودية للشؤون الخارجية"
رسالة في جريدة "التايمز" رفضت فيها
المطالب الصهيونية وانكرت ان الشعب
اليهودي مشرد وبحاجة الى وطن لإيوائه.
ففجرت الرسالة اللجنة من الداخل مما افسح
المجال لوايزمان ان يطلب من بلفور
بالاشتراك مع اللورد ليونيل روتشيلد
(1868-1937) عميد فرع العائلة البريطاني
والرئيس الفخري للاتحاد الصهيوني الذي
اصبح وايزمان رئيساً له ان تقدم الحكومة
البريطانية رسمياً على الاعتراف
بالمطالب الصهيونية. وبين
تموز (يوليو) 1917 اشترك الطرفان البريطاني
والصهيوني في إعداد نص لتصريح يصدر عن
الحكومة البريطانية بتأييد المطالب
الصهيونية، وقدمت مسودة الى وزارة الحرب
في 3 ايلول (سبتمبر) تنص على ان بريطانيا
"تقبل مبدأ اعادة تكوين فلسطين مسكناً
قومياً للشعب اليهودي" Reconstituted
As " The
National Homea " ويبدو
ان هذا النص كان يلقى تأييداً من بلفور
الا ان اللور منتاغيو اليهودي المعارض
للصهيونية وزير الدولة لشؤون الهند في
وزارة لويد جورج عارض اصدار مثل هذا
التصريح بشدة جعلت الوزارة تقرر احالة
الامر الى الرئيس الامريكي ويلسون
للإلتفاف على منتاغيو فلم يصدر عن ويلسون
ما ينم عن تأييده له فاستغاث وايزمان
ببرانديس وحثه على استصدار تأييد من
ويلسون واكد هذا له "عطف ويلسون الكامل"
على الصهيونية ولكن تطمينات برانديس هذه
كانت من عندياته والمطلوب جواب مباشر من
ويلسون نفسه فدخلت الحركة الصهيونية في
ازمة لان جدول اعمال وزارة الحرب حافل
باخطر القضايا المصيرية الاخرى وتدخل
سكوت مع صديقه لويد جورج لإعادة وضع
الموضوع على جدول الاعمال ونظرت وزارة
الحرب ثانية فيه بتاريخ 4 تشرين الاول (اكتوبر)
1917 وكانت الصيغة قد عدلت املاً بإرضاء
منتاغيو فجاءت تنص على ان بريطانيا "تنظر
بعطف الى إنشاء مسكن قومي للشعب اليهودي
في فلسطين" Establishment
In Palestine Of A National Homea مما جعل
الوزارة تقرر احالة الامر ثانية الى
ويلسون واستغاث وايزمان مكرراً ببرانديس
وحضه على إقناع ويلسون وبالاجابة
السريعة " Now " وارسل
اليه نص التصريح المعدل وكان ذلك في 10
تشرين الاول. وفي 13 تشرين الاول قال
ويلسون لمستشاره الاول الكولونيل هاوس:
"اجد في جيبي مذكرتك حول الحركة
الصهيونية واخشى انني لم اذكر لك انني
اوافق على الصيغة التي يقترحها الطرف
الاخر، انني اوافق على الصيغة واكون
ممتناً لو اخبرتهم بذلك" فكان هذا
الضوء الاخضر لإصدار وعد بلفور المشؤوم
في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917. الطور
الثاني (1917-1948): من اكتمال عناصر النجاح
الى قيام الدولة بالحرب
المرحلة
الاولى (1917-1922) من دعم الدولة العظمى الى
الشرعية الدولية وكان
لوعد بلفور فعل السحر في الجاليات
اليهودية الغربية ازال تحفظات العديدين
من اليهود على الصهينية وتخوفهم من تهمة
"الولاء المزدوج" فاستغلت الحركة
الصهيونية ذلك الى ابعد الحدود وعوضت عن
انقطاع الاتصال بيهود روسيا بسبب الثورة
البلشفية بحشد التأييد الشعبي لها في
الولايات المتحدة على نطاق لم تكن لتحلم
به قبلاً وذلك تمهيداً لعرض مطالبها
بالتنسيق الوثيق مع الراعي البريطاني
على مؤتمر الصلح المقبل فانعقد في كانون
الاول (ديسمبر) 1918 بقيادة الاتحاد
الصهيوني الامريكي المؤتمر اليهودي
الامريكي American
Jewish Congress الذي ضم الصهيونيين
وغير الصهيونيين ممثلاً لثلاثة ملايين
من اليهود وطالب مؤتمر الصلح بإقرار وعد
بلفور والاعتراف بالحقوق التاريخية
لليهود في فلسطين وبجعل فلسطين "كومنولث
يهودي" تحت الوصاية البريطانية كما
قرر المؤتمر اليهودي هذا ارسال وفد
لمؤتمر الصلح للتعاون مع وفد المنظمة
الصهيونية بإشراف برانديس.
وفي
شباط (فبراير) 1919 وبعد التشاور بين
وايزمان وبلفور قدمت المنظمة الصهيونية
مذكرة الى مؤتمر الصلح في باريس بمطالب
المؤتمر الامريكي نفسها مع تحديد مفصل
للحدود الشمالية والشرقية ومما ذكرته
بالنسبة للحدود الشمالية ان جبل الشيخ هو
"ابو المياه" ويجب ان يكون بكامله
وكذلك "جميع مصادر" مياه نهر الاردن
والليطاني داخل حدود فلسطين اما الحدود
الشرقية فهي خط سكة الحديد الحجازي
جنوباً الى العقبة وذكرت المنظمة انها
كانت ميناء يهودية في ايام سليمان. ووقع
على المذكرة كل من سكولوف ووايزمان باسم
كل من المنظمة الصهيونية العالمية ويهود
فلسطين وسبعة يهود امريكيون عن المنظمة
الصهيونية الامريكية وممثل واحد عن يهود
روسيا. ومثل وايزمان وسكولوف امام
المؤتمر وطالب وايزمان بهجرة خمسة
ملايين يهودي واجابة عن سؤال من وزير
خارجية امريكا روبرت لانسينغ ولم يكن
متعاطفاً مع الصهيونية عن معنى عبارة "السكن
القومي" National
Home الواردة في وعد بلفور قال
وايزمان ان القصد ان تصبح فلسطين
تدريجياً يهودية كما انكلترا انكليزية
وامريكا امريكية. وحضر بلفور الجلسة
وارسل من يهنىء وايزمان بعدها على شهادته.
كان
لبريطانيا والصهيونية في هذه المرحلة
بالنسبة لفلسطين هدف واحد اساسي هو إضفاء
الشرعية الدولية على وعد بلفور وعلى بقاء
بريطانيا في فلسطين وذلك ضمن اطار
التسوية للشرق الاوسط التي يقرها مؤتمر
الصلح. وعلى رغم الهدف المشترك هذا لم تكن
وجهات نظر الطرفين دوماً متطابقتين كما
ظهرت دونه عقبات صعبة التذليل. اما
العقبات فأهمها اثنتان اولاهما ان ميثاق
عصبة الأمم الذي اقر نظام الانتداب في 28
حزيران (يونيو) 1919 عند التوقيع على معاهدة
فرساي استند في اقراره لهذا النظام الى
المادة 22 منه التي استندت بدورها الى
مبدأ تقرير المصير الذي اعلنه ويلسون ضمن
نقاطه الاربع عشرة. وعملاً بهذا المبدأ
وبتأثير من صديقه رئيس الجامعة
الامريكية في بيروت هاورد بليس وعلى رغم
تأييده لوعد بلفور سراً (بتأثير برانديس)
طالب ويلسون بإيفاد لجنة تمثل المؤتمر
الى الشرق الاوسط للاستفسار عن رغبات
اهالي البلاد واثر رفض فرنسا وبريطانيا
الاشتراك بهذه اللجنة اوفد ويلسون
صديقيه شارلز كرين وريتشارد كينغ في
حزيران 1919 الى الشرق الاوسط اللذين
انتقدا في تقريريهما الصهيونية انتقاداً
شديداً ونقلا رغبة اهالي البلاد في
الاستقلال اولاً واذا كان لا بد من وصاية
فلتكن وصاية امريكية مؤقتة وليست فرنسية
او بريطانية. لم
يسفر تقرير كينغ - كرين عن اية نتيجة بسبب
موجة الانعزالية العارمة التي اكتسحت
امريكا في اعقاب معاهدة فرساي ضد انضمام
امريكا الى عصبة الأمم وانهماك ويلسون
عبثاً في مجابهتها ثم اصابته بجلطة دموية
جعلته قعيداً وحدّت من نشاطه اعقبها فوز
وارن هاردينغ الانعزالي في انتخابات 1920
الرئاسية. والواقع
ان صنع القرار الامريكي بالنسبة لفلسطين
اتصف في هذه الفترة بصفات لازمته لاحقاً
والى الامس القريب من حيث الانفصام بين
سياسة البيت الابيض والكونغرس من جهة
وسياسة الخارجية من جهة ثانية وهو انفصام
التام في عهد رونالد ريغان وكمل التئامه
في عهد بيل كلينتون اليوم. فها
هو ويلسون يضطر عملاً بمبادئه الى ايفاد
لجنة كينغ كرين لكنه يتجاهل توصياتها
ويسعى بالخفاء لإصدار وعد بلفور عن طريق
مستشاره في البيت الابيض الكولونيل هاوس
من دون علم وزير خارجيته لانسينغ.
ولانسينغ يكتب لويلسون قبل وعد بلفور
وبعده ناصحاً بعدم تأييد الصهيونية ولا
يشير الى ارشاداته الى الوفد الامريكي
الى مؤتمر الصلح بالنسبة الى فلسطين او
وعد بلفور او اليهود. وألن دالاس (لاحقاً
رئيس ال سي. آي. آي) والمسؤول آنذاك عن
الشرق الاوسط في الخارجية يدعو علناً الى
عدم الرضوخ الى الضغوط الصهيونية بينما
تنجح هذه الضغوط في استصدار قرار
بالإجماع من الكونغرس الشديد الانعزالية
في ايلول (سبتمبر) 1922 بتأييد فحوى وعد
بلفور من دون ذكره تخصيصاً. اما
العقبة الثانية فكانت التطورات في
الساحة العربية من انعقاد المؤتمر
السوري في حزيران 1919 الى بيعة فيصل ملكاً
على سوريا ولبنان وفلسطين في آذار (مارس)
1920 الى معركة ميلسون ودخول الفرنسيين
دمشق وإخراجهم لفيصل منها في تموز (يوليو)
1920 الى دخول عبدالله شرق الاردن. ورافق
هذه الاحداث هيجان الشعب الفلسطيني ضد
الانباء عن وعد بلفور التي لم تجرؤ
بريطانيا اعلانه في البلاد الا في شباط
1920 فيعقب ذلك اشتباكات عربية يهودية
عنيفة في الجليل ويافا في شباط ونيسان 1920
وتكررت هذه الاشتباكات بالقدس في ايار (مايو)
1921 عقب تعيين هربرت صموئيل اياه اول
مندوب سامٍ بريطاني في فلسطين في تموز. ازاء
هذه التطورات تنقل المسؤولية عن الشرق
الاوسط من الخارجية البريطانية الى
وزارة المستعمرات ويتولاها وزير
المستعمرات ونستون تشرشل الذي يزور
المنطقة في ايار 1921 ويقرر في ما يقرر على
رغم صهيونيته اخراج شرق الاردن بحجة وجود
عبدالله فيها من نطاق تطبيق وعد بلفور
وبالتالي من الحدود الشرقية التي طالبت
المنظمة الصهيونية بها ويصبح نهر الاردن
ذاته حدود فلسطين الشرقية بالمفهوم
البريطاني الرسمي. خلال
هذه الاثناء تستمر المفاوضات البريطانية-الصهيونية
حول موقع وعد بلفور ووصاية بريطانيا له
من ضمن اطار التسوية النهائية المقرة من
قبل مؤتمر الصلح. وينعقد مؤتمر سان ريمو
في نيسان 1920 وتنهال عليه مئات البرقيات
من الاتحادات الصهيونية في العالم بما
فيها جنوب افريقيا وكندا مطالبة بمنح
بريطانيا الانتداب على فلسطين وإدراج
وعد بلفور في معاهدة الصلح مع تركيا. ويمنح
مؤتمر سان ريمو الانتداب على سورية
لفرنسا والانتداب على فلسطين لبريطانيا.
ومع ان هذا التطور كان من باب تحصيل
الحاصل بسبب غياب امريكا عن المؤتمر
وتمثيلها فيه بمراقب فحسب وخلو الساحة
للضبعين الكبيرين بريطانيا وفرنسا الا
انه شكل انجازاً مهماً للصهيونية على
دربها نحو الشرعية الدولية. وتأتي
الخطوة التالية على هذا الدرب في معاهدة
سيفر في آب (اغسطس) 1920 اذ تتخلى تركيا فيها
عن سيادتها على فلسطين وتتضمن نص وعد
بلفور والموافقة على تطبيق نظام
الانتداب عليها. ويبقى امام الطرفين
البريطاني والصهيوني الاتفاق على نص صك
الانتداب ذاته الذي يحدد غاية الانتداب
ذاته الذي يحدد غاية الانتداب وآليات
التنفيذ ومسؤوليات كل منهما ثم إقرار هذا
الصك من قبل عصبة الأمم. وتدوم
المفاوضات حول صك الانتداب من مؤتمر سان
ريمو نيسان 1920 لغاية تموز 1922 ويعيد الطرف
الصهيوني اثارة مطالب سبق ان طالب بها
قبيل اصدار وعد بلفور (برنامج 1916) وفي
مذكرته الى مؤتمر الصلح عام 1919 ويدور
النقاش حول نقاط اربع رئيسة: واصرّ
الطرف الصهيوني اصراراً شديداً على ان
تتضمن ديباجة صك الانتداب الاشارة الى
هذه العلاقة والى "الحق الذي تعطيه
للشعب اليهودي لاعادة تكوين فلسطين
مسكناً قومياً لهم" The
claim this gives them to reconstitute Palestine as their National Home.
وادعى وايزمان في مراسلاته مع اللورد
كيرزون خلف بلفور في وزارة الخارجية وغير
المتعاطف مع الصهيونية ان لا سبيل له
لحشد التأييد اليهودي لوعد بلفور من دون
الإقرار بهذه العلاقة. وعلق كيرزون على
ذلك في مذكرة الى رئيس الوزارة لويد جورج
بقوله ان سبب الاصرار على هذه العلاقة
انما هو "حتى تكون هذه الصياغة الاساس
عند كل مرحلة للمطالبة بحق الافضلية
بغاية السيطرة الكاملة على حكم البلد"،
لم يستمع لويد جورج الى نصيحة كيرزون
وبقيت الاشارة الى العلاقة التاريخية مع
تعديل ينص على انها "الاساس" Grounds
، "لإعادة تكوين مسكنهم القومي في
فلسطين". بالنسبة
لغاية الانتداب طالب الطرف الصهيوني ان
تكون صراحة "كومنولث يهودي" اي دولة
يهودية وهو تعبير رفضه كيرزون فاعادوا
"الكرة باقتراح" "كومنولث Self
Governing Commonwealth يتمتع بحكم ذاتي
كتعبير ملطف فرفض هذا ايضاً واصر الطرف
البريطاني على "تنمية مؤسسات الحكم
الذاتي" Development Of Self Governing Institutions.
واعتبر وايزمان ان هذا تعبير خطر معناه
إمكان "تنمية مؤسسة تمثيلية قبل ان
يصبح اليهود اكثرية في البلاد" لذلك
بعد رضوخه لكيرزون طالب بتطمينات شفهية
من لويد جورج يدعي انه حصل عليها وان لويد
جورج قال لونستون تشرشل وزير المستعمرات
بحضور وايزمان "يجب الا تمنح فلسطين
حكماً تمثيلياً" : You
Mustn’t Give Representative Government To Palestine.
بالنسبة لموقع المنظمة الصهيونية طالب
الطرف الصهيوني بالإعتراف بوكالة يهودية
Jewish Agency تمثل
جميع يهود العالم من صهيونيين وغير
صهيونيين على ان تعتبر المنظمة
الصهيونية هي هذه الوكالة الى حين قيام
الاخيرة وعلى ان يكون للوكالة / المنظمة
حق الافضلية Preferential Right
، في انشاء وادارة المنافع والمرافق
العامة وفي استغلال موارد البلاد
الطبيعية، رفض الطرف البريطاني حق
الافضلية لكنه وافق على الوكالة
اليهودية واعطاها صلاحيات مهمة سنأتي
لاحقاً على ذكرها. اما
بالنسبة للحدود فقد حسمت التطورات التي
ذكرنا على الساحة العربية مسألة الحدود
الشرقية ورفضت فرنساً رفضاً قاطعاً
الحدود الشمالية الصهيونية فأنقذت بذلك
الجنوب اللبناني من الاستيطان الصهيوني
طوال فترة الانتداب على لبنان وبعده.
وبهذه التعديلات اقرت عصبة الأمم صك
الانتداب في 24 تموز (يوليو) 1922 وأفضت على
البراءة (وعد بلفور) الشرعية بالمفهوم
القانوني الغربي الدولي السائد الى
يومنا هذا فسبحان الله. وشهدت
هذه المرحلة احداثاً جساماً داخل كل من
المنظمة الصهيونية ذاتها وداخل الجالية
اليهودية في فلسطين اما بالنسبة للمنظمة
فقد انفجر الخلاف عام 1920 في القمة بين
عملاقيها وايزمان وبرانديس حليفي الامس
اللذين التقيا للمرة الاولى في تموز 1919. وسبب
الخلاف قضيتان جوهريتان الاولى: تقييم
دور العمل السياسي الصهيوني بعد وعد
بلفور ومؤتمر سان ريمو. والثانية: ادارة
"صندوق تأسيس فلسطين" Kerren
Hayesod برأس مال 25 مليون جنيه
قرره مؤتمر لندن London Conference
، الصهيوني عام 1920 الذي كرس رئاسة
وايزمان للمنظمة الصهيونية وانتخب
برانديس رئيساً فخرياً لها الذي سبق
انعقاد المؤتمر Congress
الصهيوني الثاني عشر في كارل
سباد وهو اول مؤتمر Congress يعقد
بعد انتهاء الحرب.
خلاصة
الامر ان برانديس رأى بان وعد بلفور
ومؤتمر سان ريمو انهيا دور المنظمة
الصهيونية السياسي وان العمل السياسي
مستقبلاً يجب ان يناط بالجالية اليهودية
في فلسطين ضمن اطار الانتداب وهو رأي
رفضه وايزمان بشدة متناهية معتبراً ان
وعد بلفور وسان ريمو ان هما بالعكس الا
بداية العمس السياسي المكثف والدؤوب
للمنظمة الذي من دونه لا امل بتحقيق
الدولة اليهودية اطلاقاً. اما بالنسبة
الى صندوق التأسيس فرأى برانديس انه يجب
ان يخضع في كل بلد الى الاتحاد الصهيوني
للبلد ذاته وليس للسلطة المركزية للجنة
المنظمة التنفيذية. ورفض وايزمان هذا
الرأي بشدة لا تقل عن رفض لرأي برانديس
الاول ونقل المعركة الى داخل معقل
برانديس في الولايات المتحدة وانتصر
عليه فأمن بذلك حفاظ اللجنة التنفيذية
على موارد الصندوق التأسيس التي كان
معظمها امريكي المصدر. اما
التطورات داخل الجالية اليهودية في
فلسطين في هذه المرحلة فأهمها نمو الحركة
العمالية الاشتراكية القومية بقيادة بن
غوريون الذي سبق ذكره نتيجة موجة الهجرة
الثالثة (1919-1923) منذ بدء الاستيطان
والاولى تحت الحماية البريطانية التي
ادخلت الى البلاد 35,000 مهاجر وكان معظمهم
من اعضاء حركة الشبيبة الرواد Halutzim
، الذين عملوا في المستعمرات التعاونية
الجماعية Kibbutz
والتحقوا بحزب "وحدة العمل"
Ahdut Avoda الذي اسسه بن
غوريون عام 1920 حول نواة حزب "باعولي
زيون" القائم. وفي السنة ذاتها تأسس
"الاتحاد العام للعمال اليهود" (الهستدروت)
بمساهمة بن غوريون ايضاً كما تأسست
المنظمة العسكرية الصهيونية "الهاغانا"
التي كانت على صلة وثيقة بكل من "الاتحاد
العام للعمال" و"حزب وحدة العمل".
المرحلة
الثانية: إرساء قواعد الدولة (1922-1947) وكان
عدد سكان فلسطين من اليهود في نهاية
الحرب الكونية الاولى 56 الفاً توزعوا بين
المدن الرئيسية (القدس، يافا، تل ابيب،
حيفا، صفد وطبريا) وفي حوالى 50 مستعمرة
زراعية وكانت نسبتهم من مجموع سكان
البلاد (حوالى 750,000) اقل من 10 في المئة
وارتفع عدد اليهود خلال الانتداب
البريطاني الى 608,000 عام 1946 وزاد عدد
المستعمرات الى 259 مستعمرة فأصبحت نسبتهم
من مجموع سكان البلاد (1,912,000) اكثر من 31 في
المئة. وعاد 74 في المئة من زيادة اليهود
الى الهجرة و26 في المئة فقط الى النمو
الطبيعي بينما عاد 96 في المئة من زيادة
السكان العرب الى النمو الطبيعي و4 في
المئة فقط الى الهجرة. ونمت
بسبب هذه الهجرة الجاليات اليهودية في
المدن فارتفع عدد سكان تل ابيب من اليهود
من 15,000 عام 1922 الى 166,000 عام 1944، وسكان حيفا
من 6,000 (1922) الى 66,000 (1944)، وسكان القدس من
62,000 (1922) الى 97,000 (1944). وارتفع
سكان المستعمرات من حوالى 5,000 (عام 1918) الى
144,000 (1944) وجاءت اعلى نسبة من المهاجرين
اليهود من بولونيا لغاية 1938 عندما زادت
نسبة المهاجرين من المانيا اليها. وبلغ
مجموع ما تملكه اليهود من اراضي فلسطين
في اوائل الثمانينات من القرن الماضي
ولغاية اندلاع الحرب الكونية الاولى (1914)
420,600 دونم اي 1,5 في المئة من مساحة فلسطين
(27 مليون دونم) وزادت ملكية اليهود عام 1946
الى 1,624,000 دونم اي الى 6 في المئة فقط من
مساحة فلسطين. لكن خطورة ملكية الـ 6 في
المئة لم تكن في حجم الاراضي بل في
مواقعها ونمط انتشارها وفي تنظيمها
والغاية من اقتنائها. فالمستعمرات كانت
بمثابة التخوم تحدد حدود الدولة
المنتظرة وانتشارها وتتبع خطة سابقة
التصميم وضعها قبل الحرب الكونية الاولى
كما اسلفنا "مهندس" الاستيطان
الصهيوني اليهودي البروسي ارثور روبين. وتهدف
الخطة الى السيطرة العسكرية المستقبلية
على الحد الادنى من الاراضي المتاخمة
لبعضها البعض الكافية لتأمين قيام كيان
سياسي عليها قادر على اتخاذها منطلقاً
للتوسع خارجها، وكل من ينظر ببعض العناية
الى خرائط تطور نمو المستعمرات في فلسطين
قبل الحرب الكونية الاولى واثناء
الانتداب لا يسعه الا ان يلاحظ ان
انتشارها يتبع شكل حرب النون N
بالانكليزية اذ يشكل الضلع
الايسر الاستيطان الساحلي بين يافا
وحيفا والضلع الايمن الاستيطان بين
بحيرة طبريا واعالي حوض الاردن والضلع
الاوسط الاستيطان عبر السهل الداخلي (مرج
ابن عامر) الرابط بين الضلعين الآخرين.
والحكمة في هذا كله تكمن في ان الاستيطان
الساحلي يؤمن الاتصال بالخارج عبر
البحار واستيطان اعالي نهر الاردن يهدف
الى السيطرة على موارد مياهه بينما
الاستيطان البيني لا يربط بين الضلعين
الاخرين فحسب بل ايضاً يفصل شمال فلسطين (الجليل)
عن سائر البلاد كما يتحكم عند طرفه
الشرقي بـ"البوابة" الشرقية
لفلسطين عند بدء مرج ابن عامر.
ومما
يجعل ايضاً النوع اكثر خطورة من الكم في
الاستيطان الصهيوني لفلسطين خلال هذه
المرحلة الزمنية ان معظم المستعمرات
خلال الانتداب البريطاني اقيمت على
اراضي "الصندوق القومي اليهودي" (الكيرين
كايميت) الذي انشأه هرتزل عام 1901 وبتمويل
من "صندوق تأسيس فلسطين" (الكيرين
هايسود) الذي انشأه وايزمان عام 1920 بعد
صراعه مع برانديس فكان الصندوق القومي
يعتبر كل اراضيه كما اسلفنا ملكاً ابدياً
للشعب اليهودي يؤجرها حصراً لليهود دون
مقابل للسنوات الخمس الاولى وبعدها
بشروط متناهية السهولة، بينما كان صندوق
التأسيس يقدم القروض الطويلة الاجل
بفائدة 2 في المئة لفترة 40-50 سنة لاعمال
الانشاء والبناء. وزادت ملكية الصندوق
القومي من 16,000 دونم عام 1914 الى حوالى نصف
الاراضي اليهودية في فلسطين البالغة
1,624,000 دونم عام 1946 اما صندوق التأسيس فقد
موّل تأسيس 25 مستعمرة عام 1922 زادت الى 76
مستعمرة عام 1936 والى 153 مستعمرة عام 1944
فكانت نسبة المستعمرات التي مولها الى
مجموع مستعمرات فترة الانتداب حوالى 60 في
المئة. وهكذا
ارتبطت هذه المستعمرات وارتبط سكانها
ومصالحهم وولاؤهم بسلطة المنظمة
الصهيونية المركزية من ناحية كما ارتبطت
من ناحية اخرى بكل من الهستدروت (الاتحاد
العام للعمال) عبر تعاونياته وبتنظيمه
العسكري "الهاغانا". سنكتفي
بذكر بعض ملامح الدولة الكامنة في
المجتمع اليهودي المتنامي في فلسطين
اثناء الانتداب البريطاني فمن حيث
البنية الاقتصادية الاجتماعية الاساسية
وبسبب نوعية المهاجرين الثقافية وتوفر
رأس المال الخارجي اتخذ المجتمع بنية
المجتمعات الصناعية الغربية. فنسبة
انتاج اليهود في قطاع الصناعة والتعدين
والبناء عام 1947 من مجموع انتاجهم كانت 37
في المئة وقريبة من نسبة الانتاج في هذا
القطاع في بريطانيا (44 في المئة) بينما
نسبة انتاج العرب الفلسطينيين في هذا
القطاع كانت 14 في المئة وكانت نسبة انتاج
اليهود في قطاع الزراعة لا تتعدى 12 في
المئة بينما نسبة العرب فيها كانت 41 في
المئة وعمل 10 في المئة الطبقة العاملة
اليهودية في الزراعة و 31 في المئة في
الصناعة والبناء بينما نسبة العرب كانت 50
في المئة في الزراعة و11 في المئة في
الصناعة والبناء وبلغ معدل دخل الفرد
اليهودي 141 جنيهاً مقابل 50 جنيهاً للفرد
العربي. اما
في حقل الخدمات الاجتماعية فكان حضور
الطلاب في سني 5-14 المدارس بنسبة 97 في
المئة لليهود و32,5 للعرب وكان لدى اليهود
33 مدرسة فنية وزراعية مقابل 6 مدارس عربية.
وبلغ ما انفقته الحكومة الانتدابية على
الصحة عام 1944 (وكان اعتماد العرب في معظمه
على الخدمات الحكومية في هذا المجال) نصف
مليون جنيه بينما بلغ ما انفقه صندوق
الصحة في الاتحاد العام للعمال اليهود
"الهستدروت" لوحده في هذا العام
مليون ومئتي الف جنيه وكان لدى
الفلسطينيين 125 جمعية اقراض Credit
قروية تعاونية عضويتها 6000
ورصيدها 27,000 جنيه بينما كانت عضوية
اليهود في الجمعيات التعاونية 355 الفاً
ورصيدها عشرة ملايين جنيه وبلغت عام 1946
ودائع اليهود في البنوك وجمعيات الإقراض
التعاونية 77 مليون جنيه مقابل 18 مليون
جنيه للعرب.
ولم
يزد عدد العمال العرب المنتظمين في
نقابات لهم عام 1945 على 20,000 عامل بينما ضم
"الهستدروت" 143,000 عامل من الراشدين
بما فيهم 38,000 امرأة كما ضم 8,500 من الشبيبة
العمالية وشكلت عضوية الهستدروت 75 في
المئة من مجموع اجراء اليهود ولم يكن "الهستدروت"
اتحاد عمال بالمعنى العادي فكانت شركة
قابضة عملاقة تفرعت عنها شبكة عجيبة من
النشاطات العمالية والزراعية والتجارية
والاقتصادية والثقافية والصحية في كل
مجال من مجالات حياة المجتمع اليهودي
وكانت ذات علاقة حميمة بـ 200 مستعمرة عبر
تعاونياتها الزراعية كما كانت وثيقة
الصلة بمنظمة "الهاغانا" العسكرية
واشرفت على الهستدروت هيئة تنتخب من قبل
القاعدة الشعبية وتعكس انتماءات اعضائها
الحزبية وكان ديفيد بن غوريون امينها
العام من 1921 الى 1935 اما تمويل نشاطاتها
فكان معظمه يرد من الخارج عبر المنظمة
الصهيونية العالمية. وتميز
المجتمع اليهودي في فلسطين ايام
الانتداب بتنظيمه السياسي وكانت الحكومة
البريطانية اصدرت عام 1926 "مرسوم
الجاليات الدينية" التي اذنت به
للجاليات في فلسطين ان تنظم نفسها بموجبه
ورفض الفلسطينيون العرب من حيث المبدأ ان
ينتظموا في طائفتين: اسلامية ومسيحية ولم
يشكل المرسوم اي حرج لليهود الذين سارعوا
الى تنظيم انفسهم بموجبه فانتخبوا
مجلساً عاماً Va’ad
Leumi انتخب بدوره لجنة تنفيذية
مثلت يهود فلسطين تجاه حكومة الانتداب
وخول المجلس العام جباية الضرائب من
طائفته التي انفقها على الخدمات
الاجتماعية لها.
لكن
مركز السلطة اليهودية لم يكن هذا المجلس
العام المحلي على اهميته المستند الى
تشريع سلطة الانتداب في فلسطين بل كان
الوكالة اليهودية Jewish
Agency التي نص عليها صك الانتداب
ذاته ومنحت المادة الرابعة من الصك
الوكالة حق "النصح والتعاون" Advising
and cooperating مع ادارة فلسطين في
"الشؤون الاقتصادية والاجتماعية
وغيرها من الشؤون التي قد تؤثر في تنمية
المسكن القومي اليهودي" كما نصت
المادة السادسة منه على ان على الادارة
البريطانية، بالتعاون مع الوكالة
اليهودية… تشجيع استيطان اليهود المكثف
على اراضي فلسطين" close settlement… on the
land.
وهكذا كانت الوكالة شريكاً فعلياً
للادارة البريطانية، على ان الاهم حتى من
هذا وذاك هو انه بموجب صك الانتداب ايضاً
كان على الوكالة "ان تضمن تعاون جميع
اليهود الراغبين في المساعدة في انشاء
المسكن القومي اليهودي" اي انها كان
لها صفة دولية قانونية رسمية تشمل العالم
بأسره. اعترفت
الحكومة البريطانية بالمنظمة الصهيونية
على انها الوكالة الى حين قيام الوكالة،
ذلك ان الوكالة كان من المفترض فيها ان
تضم كلاً من اليهود الصهيونين وغير
الصهيونيين ورسمياً تأسست الوكالة بهذا
المعنى عام 1929 وطغت الصفة الدولية طبعاً
على المنظمة الصهيونية ذاتها منذ
البداية. ففي 1897 لم يزد عدد الاعضاء
اليهود الفلسطينيين في المؤتمر الصهيوني
الاول عن الاربعة من اصل 196 عضواً وحتى
عام 1939 في آخر مؤتمر صهيوني قبل الحرب
العالمية الثانية (وهو المؤتمر الواحد
والعشرون المنعقد في جنيف) كانت نسبة
دافعي "الشاقل" للتصويت في المؤتمر
من يهود فلسطين 16 في المئة وتبين الارقام
الاتية سعة القاعدة الدولية للمنظمة
الصهيونية. فمن اصل 1,040,450 دافع شاقل
لمؤتمر 1939 كان 299,165 من بولندا و 263,741 من
الولايات المتحدة و 167,562 من فلسطين و 60,013
من رومانيا و 23,513 من بريطانيا و 22,343 من
جنوب افريقيا و 15,220 من كندا… الخ. وكان
مكتب الوكالة التنفيذي في القدس ولها
مكاتب في كل من لندن وواشنطن ونيويورك
وجنيف وكانت لها دوائر لكل من الاستيطان
والشؤون المالية، والعمل، والتجارة
والصناعة، والشؤون السياسية و(بصفة سرية)
الامن اي شؤون "الهاغانا" وكانت
تعمل بجانب "المجلس العام" المنتخب
المحلي Va’ad
Leumi وتدعمه تجاه السلطة
البريطانية لكن خلافاً لهذا المجلس لم
تكن لا الوكالة ولا المنظمة الصهيونية
خاضعة لسلطة الانتداب بل كانتا رقيبتين
عليها وذلك باعتراف دولي.
وكان
للمنظمة الصهيونية / الوكالة اليهودية
ثلاث وظائف رئيسة اولها الضغط على
المراكز العصبية لصنع القرار في لندن
مباشرة وعليها في العواصم الغربية
الاخرى الكبرى كوسيلة للضغط غير المباشر
على لندن، وثانيها الجباية لمؤسساتها
المالية المركزية الكبرى وبخاصة "الصندوق
اليهودي القومي" و"صندوق تأسيس
فلسطين" الكيرين هايسود، وثالثها
الدعاية الملحة المتصلة والمتنوعة لدعم
الوظيفتين الاوليين، وبلغ ما ارسلته
المنظمة الصهيونية الى يهود فلسطين من
يهود الولايات المتحدة فقط بين 1930 و1948 (396
مليون دولار) وهو مبلغ ضخم جداً بمقاييس
ذلك الزمن. فاذا
اضفنا الى كل ما سبق تنظيم الهاغانا
العسكري التابع للمنظمة الصهيونية الذي
سنتناوله لتونا ندرك متانة القواعد التي
كان قد تم ارساءها في هذه المرحلة بفضل
قيادة وايزمان ومن ثم بن غوريون الذي حل
عملياً محله منذ اواسط الثلاثينات لقيام
الدولة في المجتمع اليهودي في فلسطين
ايام الانتداب البريطاني عشية توصية
الأمم المتحدة بتقسيم البلاد في 29 تشرين
الثاني (نوفمبر) 1947.
المرحلة
الثالثة (1948) قيام الدولة بالحرب وليس
الغرض من هذا الفصل وصف القتال في هاتين
المرحلتين فلهذا وقت ومجال غير هذا انما
الغرض من هذا الفصل هو تفحص الرواية
الصهيونية لاسباب وقوع هذه الحرب
الصهيونية العربية الاولى وهي رواية
تجذرت في ضمير اليهودية العالمية
وبالتالي في الضمير الغربي. تقول
الرواية الصهيونية ان الحرب قامت بسبب
رفض العرب من فلسطينيين وغير فلسطينيين
لقرار هيئة الأمم بالتوصية بـ "حل وسط"
Compromise بتقسيم
فلسطين الى دولتين احداهما يهودية
والاخرى عربية ومقاومتهم المسلحة لهذا
الحل ما اضطر الدولة اليهودية ان تخوضها
دفاعاً عن نفسها وبكلمة فان فحوى الرواية
الصهيونية ان الطرف العربي هو المعتدي
البادىء والطرف الصهيوني هو المعتدى
عليه البريء.
والحقيقة
في نظرنا هي على خلاف كلي مع الرواية
الصهيونية ذلك ان التقسيم لم يكن حلاً
وسطاً بأي مفهوم عادل ومعتمد لهذا
التعبير. فالحل الوسط بالمصطلح الاخلاقي
وحتى اللغوي يعطي كل ذي حق حقه، يحافظ على
جوهر حقوق كل طرف في النزاع القائم،
ويقيم التوازن بين تنازلات كل منهما، وهو
لا يعطي طرفاً ما ليس له على حساب الطرف
الاخر ويصدر غالباً عن طرف محايد حريص
على مصلحة الطرفين المتنازعين تم
الاحتكام اليه والقبول المسبق بحكمه
بالتراضي ويتم الاقرار بهذا الحكم من قبل
المتنازعين ولو على شيء من المضض
المتساوي بينهما. فأين هذا المفهوم للحل
الوسط من مبدأ التقسيم (اي قيام دولة
يهودية قسراً على جزء كبير او صغير من
فلسطين) في سياق تاريخ القضية الفلسطينية
منذ ظهور الصهيونية واينه من اسلوب طرح
التقسيم على هيئة الأمم عام 1947 وتوقيته
ومن تفاصيل التقسيم التي اقرتها هيئة
الأمم بل ومن الطريقة التي انتزعت بها
الولايات المتحدة القرار به منها ناهيك
عن الابتهاج الذي وصل سمت الرأس عند طرف
لدى سماعه به وعن الغضب العارم الذي
استولى على الطرف الاخر منه. فمبدأ
الدولة اليهودية غاية الصهيونية
ومبتغاها وهو مبرر وجودها من قبل المؤتمر
الصهيوني الاول ومن بعده ونجمها القطبي
الذي اهتدت بهديه في كل كلمة صيغت
لتغليفه وتمويهه ان في برنامج بازل (1897)
او وعد بلفور (1917) او صك الانتداب (1922)
والصهيونية لم تلجأ الى التغليف
والتمويه الا لخداع فريستها الشعب
الفلسطيني الذي تعرف مبكراً على الساعي
لاغتياله فيها وذلك بالتواطؤ مع راعيها
وحاميها بريطانيا المنتدبة لريثما يشتد
ساعدها وتتجمع لديها عناصر القوة
اللازمة وترسى القواعد الثابتة لقيام
الدولة اليهودية وهو الذي تم خلال
الانتداب البريطاني كما اسلفنا. ولم
ينص قرار التقسيم الصادر عن هيئة الامم
عام 1947 على ان يحتفظ كل طرف بما لديه من
الاراضي بل "منح" الطرف الصهيوني
الذي كان لا يملك اكثر من 6 في المئة من
مساحة البلاد منحه 57 في المئة منها
فبينما كانت ملكية اليهود لا تتعدى 1,624,000
دونم قبل قرار التقسيم وذلك على رغم كل ما
بذلته الصهيونية خلال ستة عقود منذ مطلع
الثمانينات من القرن الماضي من جهد ومال
وتخطيط وتحايل وحشد وضغوط سياسية ودعاية
عالمية غدت مساحة الدولة اليهودية بعد
قرار التقسيم 15 مليون دونم اي انه بين
عشية 29 وضحى 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947
قفزت "ملكية" اليهود اكثر من 900 في
المئة وذلك لاعتبارات سياسية لا تمت بصلة
لا من قريب ولا من بعيد الى اي قيم او
قواعد قانونية او خلقية. لم
يحدد قرار التقسيم الكيفية التي ستمتد
بها سلطة الدولة اليهودية من حيز مساحته
1,624,000 دونم الى حيز مساحته 15 مليون دونم
يقطنه ويملكه العرب الفلسطينيون لكن
الدول الاعضاء التي كانت وراء القرار
بطلب وبضغوط هائلة من الصهيونية وعلى
رأسها الولايات المتحدة كانت تعلم علم
اليقين ان القيادة الصهيونية مصممة على
تحقيق التقسيم بالقوة وان العرب يرفضون
ذلك رفضاً باتاً ومصممون على الدفاع عن
ديارهم، وهكذا كان قرار التقسيم بمثابة
الضوء الاخضر للقوات الصهيونية للقيام
باحتلال الحيز العربي الواسع والآهل
بالعرب الذي ضم اعتباطاً وتعسفاً ومن دون
سابق اقرار من العرب الى حدود الدولة
اليهودية المقترحة فكان قرار التقسيم
بالتالي نفسه قراراً بإعلان الحرب على
العرب بالتواطؤ مع المنظمة الصهيونية
ونيابة عنها . قرار
الحرب الصهيوني لم يؤخذ عام 1947 لا قبيل
قرار التقسيم ولا بعيده لكنه ينبع نظرياً
من صميم العقيدة الصهيونية من حيث انها
محررة منذ البدء وبطبيعتها من قيد
الاعتماد على الرض او القبول العربي
المسبق لها او لسياساتها وكما قال حاييم
وايزمان الى الرئيس الامريكي فرانكلين
روزفلت عام 1944 "شرحت له نظريتي بانه لا
يمكننا ان نربط قضايانا بقبول العرب ونحن
لو فعلنا لحجبوا عنا قبولهم". ولعل من
ابلغ الادلة على تجاهل الصهيونية لرفض
العرب او قبولهم لجوئها المتوال الفوقي
الى الدول الكبرى للاستحصال لى "براءتها"
المنشودة. ويمكننا
تتبع بلورة قرار الحرب في ذهن الزعيم
الصهيوني ديفيد بن غوريون قبل قرار
التقسيم باكثر من عشر سنوات ذلك ان بن
غوريون هو الذي اخذ هذا القرار وهو الذي
اشرف على التخطيط والاعداد للحرب من
اواسط الثلاثينات بصفته رئيس اللجنة
التنفيذية للوكالة اليهودية (1935-1948)
والمسؤول عن شؤون الأمن. وفي
عام 1920 اسس بن غوريون حزب "وحدة العمل"
(احدوت افودا) الاشتراكي القومي وفي عام
1930 اشرف على دمج الحزب بحزب "العامل
الشاب" (هابوعيل هاتسعير) ليؤلفا حزب
"الماباي" الذي قاده وبقي العمود
الفقري السياسي للوكالة اليهودية لغاية
قيام دولة "اسرائيل" ولوزاراتها
المتعاقبة بعدئذٍ لغاية انتصار حزب "الليكود"
بقيادة مناحيم بيغن على "الماباي"
في انتخابات "اسرائيل" النيابية عام
1977. ودعا برنامج حزب "وحدة العمل"
الى "تأسيس الجمهورية الاشتراكية
اليهودية في جميع انحاء فلسطين والى نقل
ملكية اراضي فلسطين ومياهها ومواردها
الطبيعية الى شعب "اسرائيل" لتصبح
ملكاً ابدياً له"، كما دعا حزب "العامل
الشاب" منذ تأسيسه عام 1905 الى السيطرة Conquest
على العمل العبري اي منع
العمال العرب بالقوة من العمل على
الاراضي اليهودية وبهذه الخلفية
الحزبيةومن موقع المسؤولية في لجنة
الوكالة اليهودية التنفيذية اخذ بن
غوريون يفكر بعمق في مستقبل "العلاقة"
بين الحركة الصهيونية والفلسطينيين وفي
توازن القوى بينهما، فوصل الى قناعة
ثابتة في اوائل 1936 كما يجزم بذلك شبتاي
تيفيث Tevech كبير
الخبراء الاسرائيليين في سيرة بن غوريون
وسياساته، بان لا امل في السلام مع
الفلسطينيين ما داموا يرفضون قيام
اكثرية يهودية في البلاد ولا يقبلون
بهجرة يهودية غير مقيدة اليها وان لا بد
من ان تكون العلاقة المستقبلية معهم
علاقة عسكرية وليس سياسية. ويضيف تيفيث
ان هذا الاستنتاج لم يكن مصدر غم او كدر
لت بن غوريون بل بالعكس كان قد وصل في
الوقت نفسه الى قناعة ثانية وهي ان
الحركة الصهيونية قد اجتازت مرحلة الخطر
في ميزان القوى مع الفلسطينيين بسبب تدفق
الهجرة اليهودية على البلاد في السنين
الخمسة السالفة حين تضاعفت الجالية
اليهودية عدداً فوصلت الى 355,157 سنة 1935
بينما لم تتعد 164,950 سنة 1930. ويؤكد تيفيث ان
لهذا السبب لم يعد بن غوريون مهتماً باي
اتصالات مع الفلسطينيين التي كان قد
بدأها قبل 1936 وانه لم يسعَ الى مقابلة اي
فلسطين بين 1936 وقيام الدولة اليهودية عام
1948.
ويشكل
مشروع التقسيم للجنة الملكية البريطانية
برئاسة اللورد بيل Peel
الذي صدر في تموز (يوليو) 1937 في
اعقاب المرحلة الاولى من الثورة
الفلسطينية الكبرى (1936-1939) منعطفاً
خطيراً اخراً بالنسبة للقضية الفلسطينية
والحركة الصهيونية ولبلورة تفكير بن
غوريون الاستراتيجي. فهذه المرة الاولى
منذ وعد بلفور التي يدعو فيها طرف
بريطاني رسمي الى اقامة دولة يهودية
مترجماً الوعد اياه الى دولة كما تدعو
اللجنة الملكية الى الهجرة القسرية ( Compulsory
Transfer)
للجاليات العربية من الدولة اليهودية
والى ضم المناطق العربية الى شرق الاردن.
وتنفجر الثورة الفلسطينية ثانية في
اعقاب صدور تقرير التقسيم لتصل الى
ذروتها في السنتين (1937-1939) وينعقد المؤتمر
الصهيوني العشرون في زوريخ عام 1937 ويلقى
تقرير التقسيم معارضة شديدة بخاصة من
الاعضاء الامريكيين من حيث المبدأ لكونه
يتضمن التخلي عن كل "ارض اسرائيل"
والقبول بجزء منها فقط ويتزعم بن غوريون
الرأي بقبوله مشروطاً ويلقي فيما يقوله
في حينه اضواء كاشفة على نظرته الى مشروع
التقسيم عام 1947 الذي نحن بصدده. ففي
تموز 1937 يقول في رسالة الى زعيم صهيوني
بولندي "الدولة هي خطوة اولى نحو الحل
الشامل للشعب اليهودي وأداة جبارة
لتحرير جميع ارض اسرائيل"ز وفي خطاب
لحزب "الماباي" في تشرين الاول (اكتوبر)
1937 يقول "ان تحقيق الدولة اليهودية يمر
في مرحلتين الاولى مرحلة البناء وارساء
القواعد وتستمر من عشر الى خمس عشرة سنة
وهي مقدمة الى المرحلة الثانية التي هي
مرحلة التوسع ( Expansion).
وغاية المرحلتين تجميع المنفيين ( exiles)
من الشتات في جميع ارض اسرائيل". ويقول
في رسالة الى اولاده في تشرين الاول 1938
"ان قيام الدولة في جزء من فلسطين ليس
غاية الصهيونية النهائية بل وسيلة
باتجاهها". ويقول تيفيث انه حتى قبل
تقرير اللجنة الملكية وبدءاً بنهاية
العشرينات كان بن غوريون يصف نفسه بانه
يمارس "الصهيونية العميقة" ( Deep
Zionism)
وان "المبتدئين" في الصهيونية لا
يفهمون استراتيجية "المراحل" وان
الظروف غير المؤاتية تقتضي صياغة اهداف
تبدو لهؤلاء المبتدئين على انها تنازلات
وهي ليست كذلك. اما
بشأن توصية اللجنة الملكية بالتهجير
القسري للفلسطينيين من الدولة اليهودية
فيعلق عليها بن غوريون عام 1937 بقوله: "من
المؤكد ان بريطانيا لن تقوم بذلك اذا لم
نصرّ عليه بكل ما اوتينا من قوة ونفوذ
واذا لم يتم هذا الامر بسبب تقاعسنا
فإننا سنخسر فرصة لم تسنح لنا من قبل وقد
لا تعود لنا ثانية ابداً". ويستطرد بن
غوريون بقوله "يجب ان ننتزع من قلوبنا
الافتراض بان هذا الامر (يعني التهجير
القسري) مستحيل بل هو ممكن والخطوة
الحاسمة الاولى هي ان نعد انفسنا لتوليه
بأنفسنا". ولم يكتفِ بن غوريون
بالتعليق على تقرير التقسيم لكنه كلف عام
1937 ضابطاً كبيراً في "الهاغانا"
باسم افنير ( AVNER)
بوضع
خطة لاحتلال فلسطين كلها على ثلاث مراحل
في حال انسحاب البريطانيين من البلاد. طبعاً
لم ينسحب البريطانيون في حينه من فلسطين
بل عدلوا عن مشروع التقسيم بسبب اشتداد
الثورة الفلسطينية ودعوا الى مؤتمر في
لندن عام 1939 صدر كتاب ابيض في اعقابه يحدد
الهجرة اليهودية وانتقال الاراضي وينص
على استقلال فلسطين دولة موحدة ضمن فترة
عشر سنوات شرط اتفاق الطرفين
الفلسطينيين واليهود ولا شك في ان الكتاب
الابيض هذا جاء نتيجة تلبد الاجاء
الدولية واقتراب موعد اندلاع الحرب
العالمية الثانية. ادت
المجابهة العسكرية بين الفلسطينيين
وبريطانيا خلال الاعوام 36-39 الى توسيع
الهوة في توازن القوى بين الفلسطينيين
والصهيونيين لصالح الاخيرين فحطمت
بريطانيا القوة العسكرية والتنظيمات
السياسية الفلسطينية خلالها من ناحية
بالمقابل وبالتعاون مع بن غوريون ضاعفت
القوة العسكرية الصهيونية بإنشاء وتدريب
وتسليح قوة يهودية رسمية رديفة للهاغانا
اطلقت عليها اسم "شرطة المستعمرات
اليهودية" Jewish
Settlement Police قوامها 20,000 مسلح
اضيفت الى الهاغانا "غير الرسمية"
وقوامها 25,000 مسلح فأصبح لدى بن غوريون
جيش قلما توفر لليهود مثله من قبل قادر
على تولي العلاقة "العسكرية" مع
الفلسطينيين ومع الدول العربية.
فها
هو بن غوريون يجتمع بمالكولم مكدونلد
وزير المستعمرات البريطاني في شباط (فبراير)
1939 فيسأله الاخير "الى متى تعتقدون
اننا سنضع حرابنا تحت تصرف هجرتكم الى
فلسطين؟" فيجيبه بن غوريون "لسنا
بحاجة الى حرابكم". فيقول مكدونلد "وكيف
يكون هذا؟ هم اكثر منكم عدداً وسيأتي
لنجدتهم جيش عربي من العراق". فيجيب بن
غوريون "ان اجتياز البحر اسهل من
اجتياز الصحراء". غضب
بن غوريون غضباً شديداً على سياسة الكتاب
الابيض لكنه ادرك ان مصلحة الصهيونية هي
في انتصار بريطانيا على المانيا كما ادرك
اهمية القتال بجانب بريطانيا بالنسبة
"للعلاقة العسكرية" مع العرب بعد
الحرب فدفع بشبابه للانخراط في الجيش
البريطاني فانخرط منهم خلال السنوات
1939-1945 (27,000) حصلوا على احسن خبرة وتدريب
فازداد الصهيونيون بهم قوة على قوة. في
الوقت نفسه ادرك بن غوريون ان الكتاب
الابيض مؤشر لانحسار التأييد البريطاني
للصهيونية وان القوة العالمية الصاعدة
هي الولايات المتحدة وان لدى الصهيونية
امكانات ضخمة هناك قابلة للتعبئة فانتقل
اليها ونظم في ايار 1941 انعقاد مؤتمر
يهودي في فندق ييلتمور في نيويورك استحصل
منه على قرار بـ"انشاء فلسطين
كومنولثاً يهودياً" وهي الصيغة التي
اقترحتها المنظمة الصهيونية على
بريطانيا بعد مؤتمر سان ريمو 1920 عند
بداية المفاوضات حول صك الانتداب
ورفضتها بريطانيا في حينه كما اسلفنا.
وهكذا الزم بن غوريون يهود امريكا بإنشاء
الدولة اليهودية وفق مخططه هو في جميع
انحاء فلسطين وليس في جزء منها بعد
انتهاء الحرب العالمية الثانية. حتى
قبيل مؤتمر بيلتمور كان بن غوريون طلب من
الهاغانا بوضع خطط عسكرية لمواجهة
سيناريوهات عدة تأخذ في الاعتبار درجات
مختلفة من تدخلات اعتراضية من قبل
بريطانيا او الدول العربية. وبالفعل وضعت
بين 1940-1945/1946 اربع خطط عرفت بالخطط الف،
باء، جميم، ودال وكانت الاخيرة تهدف الى
احتلال فلسطين بكاملها مذكرة بخطة افنير AVNER
عام 1937 كما حرص بن غوريون في
مطلع الاربعينات على تكوين قوة ضاربة
خاصة داخل الهاغانا عرفت بـ"البالماخ"
وكان قبل ذلك قد اولى الصناعة العسكرية
اهتمامه فبلغت طاقة عشية الحرب العالمية
الثانية مكنتها من صنع مدافع الهاون Mortar
وقذائفها والقنابل اليدوية
وذخيرة من عيار 9 ملم. وفي حزيران (يونيو)
1945 قام بزيارة الى الولايات المتحدة
لتوسيع قاعدة هذه الصناعة وطلب الاجتماع
بعشرين من كبار رجال الاعمال اليهود
المهتمين في "شؤون الامن". وفي 12
تموز (يوليو) 1945 وفي جلسة صباحية تم تخصيص
15 مليون دولار للهاغانا انفق نصفها على
شراء آلات لصناعة السلاح من "ادارة
موجودات الحرب الامريكية" Administration
War Assets التي كانت بدأت تصفية
هذه الموجودات وبيعها خردة. وعلى سبيل
المثال تم شراء 50 آلة لاختبار Test الذخيرة
سعر كل منها العادي 18,000 دولار تم شراءها
كلها بسعر 150 دولاراً للخمسين آلة. وهكذا
شحنت الى فلسطين 2000 ماكينة تزن مئات
الاطنان وصلت جميعاً سالمة على رغم
الحصار البحري البريطاني الذي سمعنا عنه
الكثير في الدعايات الصهيونية ولعل ابلغ
دليل على ذهنية الحرب التي استحوذت على
بن غوريون وارتباط هذه الاستعدادات بها
هي بدء حملة شرسة على وايزمان لازاحته عن
زعامة الحركة الصهيونية (وهي حملة نجحت
في غرضها في المؤتمر الصهيوني الثاني
والعشرين المنعقد في بازل عام 1946) بحجة
كما قال بن غوريون عام 1942 ان وايزمان "اعجز
من ان يقود الصهيونية على الدرب الملتوي
المؤدي الى الدولة ولا هو مكون لقيادة
الشعب اليهودي في فلسطين او الامة
اليهودية في الحرب لتأسيسها".
وضع
بن غوريون نصب عينيه هدف احراج بريطانيا
والضغط عليها بعد انتهاء الحرب العالمية
الثانية لاخراجها من فلسطين حتى يتسنى له
تنفيذ خططه العسكرية (الخطتين جيم ودال)
وافترضت الخطة ج حياد بريطانيا في قتاله
مع العرب، اما الخطة دال فافترضت غياب
بريطانيا وتدخل جيوش الدول العربية
وتحاشى بن غوريون بعناية متناهية
المجابهة العسكرية مع بريطانيا معتبراً
ان "العلاقة" معها سياسية وان "العلاقة
العسكرية" انما هي مع العرب. ونجح
بمعونة المنظمتين الارهابيتين "الارغون"
و"الشتيرن" المنشقتين عن "الحركة
التنقيحية" اليمينية Revisionist
التي اسسها فلاديمير
جابوتنسكي في مطلع العشرينات و"الخارجتين"
عن طاعة الهاغانا في دفع بريطانيا باتجاه
التخلي عن الانتداب ومغادرة البلاد.
وكان
حليف بن غوريون الاكبر في الضغط على
بريطانيا الولايات المتحدة كما توقع
سالفاً خصوصاً بعد وفاة فرانكلين روزفلت
واستلام نائبه هاري ترومان الرئاسة عام
1945. وكان ترومان دشن سياسته الشرق اوسطية
عندما صرف وفداً حاشداً من سفرائه في
الدول العربية ابقاه واقفاً جاء "ليتنحنح"
على موالاته للصهيونية بقوله "انني
آسف ايها السادة ولكنني مضطر للاستجابة
لمئات الآلاف الحريصين على نجاح
الصهيونية وليس بين ناخبيي مئات الآلاف
من العرب". عل
هذه الارضية المتينة وضع بن غوريون في آب
(اغسطس) الخطة الصهيونية الجديدة لتقسيم
فلسطين اي لقيام الدولة اليهودية على 75
في المئة من مساحة البلاد. وفي تشرين
الاول (اكتوبر) 1946 ايد ترومان هذه الخطة
في معرض تهنئة ناخبيه اليهود بعيد
الغفران (يوم كيبور) فكانت الشعرة التي
قصمت ظهر البعير بالنسبة لبريطانيا اذ ما
لبث ان احالت القضية الفلسطينية الى هيئة
الأمم حين تبنى الاتحاد السوفياتي بدوره
ولأسبابه في ربيع 1947 مبدأ التقسيم اي
قيام دولة يهودية فحصل بن غوريون بذلك
على دعم العملاقين الكبيرين في آن واحد. وفي
6 تشرين الاول (اكتوبر) اي قبل قرار هيئة
الأمم بتقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني (نوفمبر)
1947 اصدر بن غوريون امراً لصناعته
العسكرية لانتاج 20,000 بندقية و10,000 مدفع
رشاش و10,000 مسدس و500 رشاش و4,5 مليون طلقة. ترى
كل كان شعور بن غوريون في تلك اللحظة
بالقوة اقل من شعوره عام 1936 بسبب وصول عدد
اليهود في فلسطين الى 355 الفاً وهل نسي
عام 1947 كل ما قاله عن "الصهيونية
العميقة" ومراحل تحقيق الاحلام
الصهيونية؟. الطور
الثالث (1948-1967 هضم مكاسب الحرب وتثبيت
الذات
المرحلة
الاولى (1949-1956) من الهدنة الى العدوان
الثلاثي وبالفعل
لجأت الصهيونية تباعاً الى الطرق
الثلاثة. ففي الفترة العثمانية اعتمدت
البيع الطوعي بالتحايل على قوانين
البلاد فدرّ عليها 440,000 دونم خلال حوالى
اربعين عاماً (1880-1918). وفي الفترة
البريطانية اعتمد مزيجاً من البيع
الطوعي للبيع القسري فدرّ ذلك عليها
1,200,000 دونم خلال ثلاثين عاماً (1917-1948)
ولجأت الى الحرب فدرّ عليها 20,666,000 دونم
في اقل من سنة واحدة (تشرين الثاني/نوفمبر
1947 تشرين الثاني 1948) وكان اربح الصفقات
وانجزها. وهكذا بعد خمسين عاما من
المؤتمر الصهيوني الاول عام 1897 تحققت
الغاية الاساسية من "برنامج بازل". ومن
اشد نتائج الحرب الصهيونية العربية
الاولى هولاً بعد هزيمة جيوش خمس دول
عربية، اخراج 750 الفاً من سكان فلسطين من
دياهم وتشردهم لاجئين في الدول العربية
المجاورة (لبنان، سورية، شرق الاردن،
مصر، العراق والسعودية)، واحتلال "اسرائيل"
لاثنتي عشرة مدينة فلسطينية (عكا، صفد،
الناصر، طبريا، حيفا، بيسان، يافا،
المجدل، اشدود، اللد، الرملة والقدس
الغربية)، اضافة الى 518 قرية فلسطينية ما
لبثت "اسرائيل" ان هدمت 400 منها
للحيلولة دون عودة اصحابها اليها، ودست
معالمها وسوتها مع حقولها، ووزعت
اراضيها على المستعمرات المجاورة
والجديدة التي حلت محلها، واعطت مواقعها
اسماء عبرية مستحدثة لازالتها من الذكر
والذاكرة اضافة الى ازالتها من الطبيعة،
واضحى من تبقى من الفلسطينيين داخل "اسرائيل"
اقلية غربية في بلدهم. واشتغلت
يد النهب والسرقة في طول البلد وعرضها
واشترك في اختطاف الغنائم والاسلاب رجال
الجيش والمدنيون وتوزعت المكاتب والشقق
والفيلات والمزارع على كبار ضباط الجيش
والسلك المدني على السياسيين وغيرهم.
واختفت من المنازل والمكاتب والمتاجر
المنقولات على اشكالها من اثاث واجهزة
وكتب وسجاد واوانٍ ومجوهرات وثياب
ونقود، ومن القرى المواشي والدواجن
والمؤن والآلات الزراعية، ومن الشوارع
السيارات والشاحنات، وبلغ مثلاً ما سلبه
الجيش الاسرائيلي من بلدة صغيرة نسبياً
هي اللد، بتقدير توم سيغيف الكاتب
الاسرائيلي، حمولة 1,800 شاحنة. ووصل الامر
الى حد جعل بن غوريون نفسه يتذمر حسب
رواية سيغيف ايضاً قائلاً: "الشيء
الوحيد الذي فوجئت به وفوجئت به بمراراة
هو اكتشافي لمدى الانحطاط الخلقي
المتفشي بيننا الذي لم اكن لأشتبه به على
الاطلاق، واعني هذه اللصوصية الجماعية
التي اشترك فيها جماعات قطاعات شعبنا على
حد سواء". بيد ان اللص الاكبر كان دولة
"اسرائيل" بزعامة المتذمر اياه ذلك
ان الكنيست (البرلمان الاسرائيلي) اصدر
عام 1950 "قانون املاك الغائبين" حول
بموجبه حارس الاملاك Custodian
بنقلها الى "سلطة التنمية"
Development Authority التي خولت
بدورها ببيعها الى "الصندوق القومي
اليهودي" Jewish National Fund المعروف
بالعبرية بـ Keren Kayemet الذي
اسسه هرتزل عام 1901 وتنص لوائحه على بقاء
اراضيه ملكاً ابدياً للشعب اليهودي غير
قابل للتصرف تجوز ايجارها فقط وحصراً
لليهود ولا يجوز عمل غير اليهودي عليها
وبذلك اصبحت 92 في المئة من مساحة "اسرائيل"
ملكاً ابدياً ليهود "اسرائيل" من
دون غيرهم من مواطنيها ولم يتعد ما بقي في
ايدي الجالية العربية 1-2 في المئة مع
ملكية يهود افراد وغيرهم للرصيد، ولم "ترث"
"اسرائيل" املاك الفلسطينيين
المنقولة وغير المنقولة فحسب لكنها ورثت
ايضاً كل موجودات القطاع العام من
العهدين العثماني والبريطاني من اراض
وسكك حديد وطرقات ومرافىء ومنشآت ومبان
ومكاتب ومستشفيات وثكنات ومستودعات كان
للفلسطينيين النصيب الاكبر فيها بصفتهم
اكثرية البلاد قبل شتاتهم.
واذا
كان "اسرائيل" استغلت سلطة الدولة
لحسم استيلائها على الارض الذي كان شغل
الصهيونية الشاغل منذ بدء الاستيطان في
مطلع الثمانينات من القرن الماضي فانها
لجأت الى السلطة عينها لحسم هم لم يقل
استحواذاً على الصهيونية عنهن وهو
الهجرة الجماعية. فسنّت في تموز (يوليو)
1950 "قانون الودة" الذي كرس حق كل
يهودي في الهجرة الى فلسطين عملاً
بالمبدأ الصهيوني الاصيل الداعي الى "تجميع
المنفيين" Ingathering
of Exiles اي تفريغ الشتات اليهودي
فيها. وكان بن غوريون من غلاة الداعين الى
تطبيق هذا المبدأ الى درجة اعتباره
الصهيونية مرادفة للهجرة ( Aliya)
ومطالبته بحل المنظمة الصهيونية بعيد
تأسيس الدولة على اساس ان واجب اليهودي
في الشتات اصبح بعد قيامها "العودة"
الى "اسرائيل" ليس الا. وفتح
بن غوريون بقانون العودة باب الهجرة
الجماعية على مصراعيه ووضع نصب عينيه
مضاعفة عدد اليهود في البلاد خلال اربع
سنوات ووظف كل امكانات الصهيونية
المالية والتنظيمية والسياسية لهذا
الغرض. ودل اول احصاء لاسرائيل في تشرين
الثاني 1948 على ان في البلاد 713,000 يهودي
و69,000 عربي. وما كادت سنة 1951 تصل الى
نهايتها حتى كان قد دخل البلاد 689,275
يهودياً. هكذا
خلال اقل من اربع سنوات وبفضل سلطة
الدولة دخل "اسرائيل" من اليهود عدد
يساوي العدد الذي دخلها خلال سبعين عاماً
منذ بدء الاستيطان الصهيوني بما فيه نموه
الطبيعي خلال هذه السنين، واستطراداً
نقول ان عدد يهود "اسرائيل" وصل عشية
حرب حزيران (يونيو) 1967 الى 2,375,000 ولم يكن
هدف رومانيا فبولندا، والدول الاسلامية
لـ 79،800 (ايران 39,000، تركيا 37,000 وافغانستان
3,800)، والبلاد العربية لـ 359,000 (العراق
123,000، المغرب 120,000، مصر 75,000، اليمن 48,000،
ليبيا 35,000، تونس 30,000، سورية 26,000، عدن 6,500،
الجزائر 3,500)، وهكذا افرغت الدول العربية
ما لديها على فلسطين بخفة وقلة بصيرة
مذهلة حقاً لعواقب ما تفعل. ونتيجة لهذه
الهجرة تغيرت بنية المجتمع الاسرائيلي
اليهودي الاثني فهبطت نسبة الاوروبيين
فيه من 84,9 في المئة عام 1948 الى 56,8 في المئة
عام 1961 بينما ارتفعت نسبة اليهود "الاسيويين"
من 12,5 في المئة الى 24,8 في المئة واليهود
"المغربيين" من 2,6 في المئة الى 18,4 في
المئة. وقد حمل بعض هؤلاء حنيناً الى
اوطانهم الاسلامية والعربية لكن السواد
الاعظم منهم شكل مستودعاً لا قاع له من
الحقد والبغضاء عليها وضعه بتصرف
الاحزاب الاسرائيلية اليمينية. وبتأسيس
الدولة وتحقيق الغاية من "برنامج بازل"
غدا لزاماً على "اسرائيل" والمنظمة
الصهيونية ان تحددا الغاية من الصهيونية
بعد قيام الدولة وان تنظما العلاقة فيما
بينهما بعد ان اصبح احدهما ذا سيادة،
فانعقد المؤتمر الصهيوني الثالث
والعشرون في القدس ايام 24 نيسان (ابريل) - 7
ايار (مايو) 1951 في جو سادته نشوة الغلبة
والنصر ولكن ايضاً وبخاصة للاعضاء
الامريكيين تحت سحابة مقولة بن غوريون
بمرادفة الصهيونية حصراً للهجرة الى "اسرائيل".
واحتدم
النقاش والخلاف على صياغة الهدف كما وقع
في المؤتمر الصهيوني الاول واستقر الرأي
على الصيغة الاتية: غاية الصهيونية انما
هي توطيد Consolidation
دولة "اسرائيل" وتجميع
منفيين في ارض "اسرائيل" Of Exiles in
Ingathering ورعاية وحدة الشعب
اليهودي". وكانت الصيغة التي اصر عليها
بن غوريون بادىء الامر تنص على "تجميع
المنفيين" بـ ال التعريف اطلاقاً على
ميع اليهود خارج الدولة مما اثار حفيظة
الممثلين الامريكيين الذين نفوا بشدة عن
انفسهم صفة "النفي" في بلدهم
الولايات المتحدة فكانت الصيغة التي
اقرت. اما مهمات المنظمة في المرحلة
الجديدة فتحددت: بتشجيع الهجرة واستيعاب
المهاجرين وتنشيط الاستيطان الزراعي
والتنمية الاقتصادية والحصول على الارض
ملكاً للشعب وتدريب الرواد الرزاعيين Halutzim
والجهد المكثف لجمع المال
لهذه الاغراض بما فيه استثمار رأس المال
الخاص وتعميق الهوية والثقافة اليهوديين
وتعبئة الرأي العام العالمي لتأييد "اسرائيل"
سيادة في سائر المجالات.
وادرك
بن غوريون ان لا واردات الدولة ولا
العائدات العادية من "الصندوق القومي
اليهودي" Keren
Kayemet و"صندوق التأسيس" Krem
Hatesod وقدرها حوالى 300 مليون
دولار سنوياً تكفي لسد نفقات برنامج
الطموح لمضاعفة عدد اليهود في البلاد
خلال اربع سنين وانه كما يقول في مذكراته
"لا يمكن تحمل هذا العبء من دون تعبئة
الطاقة الهائلة Tremendous Capacity ليهود
امريكا لهذا الغرض". فقرر اصدار سندات Bonds
بمقدار بليون دولار تباع في
الولايات المتحدة ودعوة كبار رجال
الاعمال الامريكيين الى مؤتمر في القدس
لإقرار فكرته فيل له ان السندات لا تعفى
من الضرائب كما هي الحال بالنسبة الى
التبرعات الى الصندوقين السالفي الذكر
في امريكا لكنه اصر على رأيه وعقد
المؤتمر وتم بيع سندات بقيمة 827 مليون
دولار بين 1951 و1965.
وفي
تشرين الاول (اكتوبر) 1951 قابل ناحوم
غولدمان الروسي المولد (1894-1982) ورئيس
اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية
الرئيس الالماني اديناور على رأس وفد
يمثل 23 هيئة يهوية للمطالبة بالتنسيق مع
بن غوريون بتعويضات لما اصاب اليهود على
ايدي الحكومة النازية وتم الاتفاق بين
الطرفين في ايلول (سبتمبر) 1952 دفعت
المانيا بموجبه 822 مليون دولار نقداً
وسلعاً الى "اسرائيل" ما بين 1952 و1965
غير مبلغ 450 مليون مارك دفع الى سائر
الهيئات اليهودية. ووصل جزء كبير منها
ايضاً الى "اسرائيل" بطرق غير
مباشرة. ولاقى الاتفاق معارضة شديدة في
الكنيست من قبل مناحيم بيغن زعيم "الحزب
اليميني" (الحيروت) المنبثق عن الحركة
التنقيحية Revisionist
وكذلك من احزاب اليسار وحرض
بيغن اتباعه على مهاجمة الكنيست ورشقه
بالحجارة مما استدعى تدخل الجيش لحمايته
وتعليق عضوية بيغن في الكنيست لمدة ثلاثة
اشهر.
ووصلت
الطاقة الاسرائيلية في مجالي الزراعة
والصناعة الى ما وصلت اليه بفضل احدث
الآلات الالمانية التي تدفقت عليه بموجب
هذه الاتفاقية وبنت المانيا اسطول "اسرائيل"
التجاري الحديث اذ سلمتها 60 سفينة
حمولتها 450,000 طن و8 ناقلات بترول حمولتها
200,000 طن اضافة الى حوض جاف للسفن وحدثت
"اسرائيل" شبكتها الهاتفية وسككها
الحديد ومحطات توليد الكهرباء بفضل هذه
الاتفاقية، كما دفعت المانيا ثم الوقود
لهذه المطات وتم كل هذا ما بين 1952 و1964 مما
مكن "اسرائيل" من انشاء 172 مستعمرة
جديدة ومضاعفة قطاعها المديني خلال هذه
الفترة. وفي
عهد الرئيس الامريكي ترومان (1945-1953) الذي
اعترف "باسرائيل" خلال دقائق من
اعلانها يوم 15 ايار 1948، كون 1948 سنة
انتخابية رئاسية، قدمت الولايات المتحدة
الى "اسرائيل" (بين 1949 و1953) قروضا
بقيمة 135 مليون دولار ومعونات بقيمة 160
مليون دولار. ورغماً عن الخلافات مع
الرئيس ايزنهاور الذي خلف ترومان (1953-1961)
الذي لم يكن بحاجة الى اصوات اليهود بحكم
قيادته لجيوش الحلفاء خلال الحرب قدمت
الولايات المتحدة الى "اسرائيل"
خلال السنوات الثلاثة من هذه المرحلة
(1954-1956) معونات بقيمة 178 مليون دولار. وفي
29 تشرين الثاني 1948 قدمت "اسرائيل"
طلباً لعضوية هيئة الأمم المتحدة ورفض
هذا الطلب. وفي كانون الاول (ديسمبر) 1948
اصدرت الجمعية العامة لهيئة الأمم
قراراً (194111) بإنشاء لجنة توفيق "لمساعدة
الحكومات… لتحقيق تسوية سلمية نهائية
لجميع القضايا العالقة بينها". كما نصت
الفقرة الحادية عشرة منه على حق اللاجئين
"الراغبين في العيش بسلام مع جيرانهم"
في العودة "الى منازلهم" او في
التعويض لمن يرغب في العودة، وفي نيسان
1949 وافقت كل من الدول العربية (مصر
والاردن ولبنان وسوريا) و"اسرائيل"
على حضور مؤتمر برعاية لجنة التوفيق يعقد
في لوزان في سويسرا. وفي ايار وقع الطرفان
مستقلين عن بعضهما البعض مسودتين
متطابقتين في نصيهما تفيدان بانهما على
استعداد لاعتماد خريطة لتقسيم فلسطين
وفق قرار هيئة الأمم الصادر عام 1947 الحقت
بكل المسودتين "كنقطة بداية واطار Starting
Point
&Framework لبحث
القضايا الاقليمية". واصر الطرف
العربي على عودة اللاجئين وفق قرار كانون
الاول 1948 وكان اقصى عدد وافقت "اسرائيل"
على عودته 100,000 لاجىء على ان يشمل هذا
الرقم من دخل البلاد من الفلسطينيين منذ
وقف القتال قدرتهم "اسرائيل" بـ 35
الفاً فرفض العرب الاقتراح وقدمت "اسرائيل"
جانبياً اقتراحاً بضم قطاع غزة بسكانه
ولاجئيه على ان يكون هذا بديلاً عن
اقتراحها الاول فرفض هذا ايضاً طبعاً.
وهكذا لم تسفر محادثات لوزان عن اية
نتيجة، اللهم الا انها استعملت كورقة تين
لقبول "اسرائيل" في عضوية هيئة
الأمم في ايار 1949 ما لبثت بعد الحصول
عليها ان اعلنت "اسرائيل" رفضها لـ"اطار"
التقسيم لعام 1947 ولقرار هيئة الأمم بعودة
اللاجئين. وهكذا تم ضمناً الاقرار الدولي
بما فعلته "اسرائيل" خلال الحرب
وحصلت هي على الشرعية الدولية رغماً عن
ذلك وكان هذا الاساس "القانوني"
لتدفق المعونات عليها الذي اسلفنا ذكره.
ونصت
اتفاقات الهدنة التي عقدت عند وقف القتال
1949 بين "اسرائيل" من ناحية وكل من
مصر والاردن ولبنان وسوريا (سحب العراق
جيشه من فلسطين من دون التوقيع على اتفاق
هدنة) من ناحية اخرى على انها اتفاقات "املتها
اعتبارات عسكرية على وجه الحصر" Dicated
exclusively by military considerations وانه لا
يقصد منها ان تضعف او تبطل ولا بشكل من
الاشكال اي حقوق اقليمية او غير اقليمية
لاي من الاطراف وان خطوط الهدنة ليست بأي
معنى من المعاني In any sense خطوطاً
سياسية او اقليمية وانها رسمت من دون
الاخلال Without prejudice لحقوق
الاطراف السياسية عند التسوية النهائية.
وعلقت
اتفاقات الهدنة مسألة السيادة على
المناطق المجردة من السلاح التي تضمنتها
الى حين التوقيع على معاهدات السلم
النهائية وحددت هذه المناطق على كل من
الحدود الاردنية والمصرية والسورية
المشتركة مع "اسرائيل" وخولت الرئيس
الدولي لكل لجنة هدنة مشتركة على كل من
الجبهات الثلاث اعادة الحياة المدنية
العادية داخل هذه المناطق وحرمت على
الاطراف العدة ادخال قوات بوليس او
عسكرية خارجية اليها كما حرمت عليها
احداث اي تغيير في الوضع العسكري الراهن
فيها لمصلحة اي منها. وفي
ايار 1950 اصدرت الولايات المتحدة وفرنسا
وبريطانيا بياناً ثلاثياً التزمت به
بمقاومة اللجوء الى القوة بين دول
المنطقة وبالا تزود الدول العربية و"اسرائيل"
بالسلاح الا بما تحتاجه منه لاغراض
الدفاع عن النفس المشروعة Legitimate
self defence . بقي
بن غوريون رئيساً للوزارة ووزيراً
للدفاع منذ اعلان قيام الدولة لغاية
كانون الاول (ديسمبر) 1953 عندما قرر التخلي
عن الحكم والانزواء في مزرعة انشأها في
النقب المحتل حديثاً وتولى رئاسة
الوزارة من بعده زميله موشيه شاريت
(1894-1965) الروسي المولد وتولى وزارة الدفاع
بنحاس لافون مرشح بن غوريون، وفي شباط (فبراير)
1955 عاد بن غوريون من خلوته الى الحكم
وزيراً للدفاع خلفاً لـ لافون اثر
استقالة الاخير بسبب فضيحة سنأتي لها بعد
قليل وبقي بن غوريون وزيراً للدفاع الى
ان استقال شاريت من الرئاسة في تشرين
الاول (اكتوبر) 1955 وخلفه فيها بن غوريون
الذي بقي طوال هذه الفترة ان في مزرعته او
في منصب وزير الدفاع الصوت الاقوى في صنع
القرار الاسرائيلي. ورافق
هضم مغانم الحرب وتوطيد الذات نشاط في
المناطق الحدودية ما لبث ان اسفر عن مخطط
يرعاه بن غوريون بمعاونة كبار ضباطه وعلى
رأسهم رئيس الاركان موشيه دايان الروسي
الاصل والفلسطيني المولد (1915-1981) وهو مخطط
يتطلع الى مرحلة من التوسع تلي مرحلة هضم
المغانم. وتجسدت
اولى بوادر هذا المخطط في عنف ما سمي
بالغارات "الانتقامية" على الجبهة
الاردنية رداً على حوادث تسلل عبر الحدود.
وكانت حرب 1948 زلزلت اوضاع الفلسطينيين
المعيشية وفصلتهم عن مصادر كسبهم ورزقهم
في مدنهم وقراهم وقطعت الاتصال بين ما
تبقى من تراب البلاد في الضفة الغربية
وقطاع غزة والقت بمئات الآلاف في العراء
عالة على احسان الاخرين. اضافة الى هذا
وذاك فصلت حدود الهدنة الاردنية
الاسرائيلية الممتدة 350 كيلومتراً حوالى
مئة قرية عربية عن اخصب اراضيها الزراعية
وشاهد اهلها الصامدون الاغراب يأكلون
ثمارها فكان من الطبيعي ان يحصل تسلل كان
في بدايته من قبل افراد عزل من السلاح
وكانت الغارة على قرية قبيه العربية في
تشرين الاول 1953 من اعنف هذه الغارات
الانتقامية حين قتل 42 اردنياً وجرح 15 "انتقاماً"
لمقتل ثلاثة اسرائيليين. وتجلى
مخطط بن غوريون على الحدود السورية في
اصرار "اسرائيل" على سيادتها على
المناطق المجردة من السلاح وفي دخولها
اليها بقواتها المسلحة وطرد مزارعيها
العرب منها كما تجلى في منعها سكان
الجولان من الصيد في بحيرة طبريا وهو حق
مارسوه منذ الازل وادخالها قوارب مسلحة
الى البحيرة لتطبيق سياستها هذه، ولعل
اعنف غارة اسرائيلية على هذه الحدود هي
غارتها المفاجئة في 10 كانون الاول 1955 على
المواقع السورية التي ادت الى مقتل 56
جندياً سورياً وجرح 7 وفقد 32 من دون ان
تكون قد وقعت اصابة اسرائيلية واحدة في
المناوشات التي سبقت الغارة. بيد ان اخطر
تطور على الجبهة السورية كان محاولة "اسرائيل"
الاولى عام 1953 لتحويل مجرى نهر الاردن
تحويلاً من جانب واحد من دون الالتفات
الى حقوق الدول النهرية الاخرى (الاردن،
سورية، لبنان) وما تنم عنه هذه المحاولة
من عنجهية واستعداد للتوسع على حساب
الاخرين. وتجلى
مخطط بن غوريون اكثر ما تجلى على الجبهة
المصرية حين طبقت "اسرائيل" السياسة
عينها التي طبقتها على الجبهة السورية
بالنسبة للمناطق المصرية المجردة من
السلاح فدخلت عام 1953 منطقة العوجا
الاستراتيجية من الحدود وطردت منها
سكانها من البدو واقامت فيها "كيبوتسا"
عسكرياً. لكن
اخطر ما حدث على هذه الجبهة هو ارسال
وزارة الدفاع الاسرائيلية عام 1954 عملاء
لها داخل مصر لنسف مؤسسات امريكية
وبريطانية املاً في افساد العلاقات
الطيبة بين مصر وهذين البلدين التي تلت
الثورة المصرية واتفاق الجلاء عن قناة
السويس البريطاني المصري في تموز (يوليو)
1954. بيد ان السلطات المصرية اعتقلت
العملاء ويعد محاكمتهم اعدمت اثنين منهم
في 31 كانون الثاني (يناير) 1955 فقرر بن
غوريون الانتقام وكان قد استلم وزارة
الدفاع في 21 شباط (فبراير) بعد استقالة
لافون اثر فضيحة العملاء، وانتهز بن
غوريون فرصة حادث مقتل اسرائيلي واحد في
حادث تسلل من قطاع غزة بتاريخ 23 شباط 1955
ليضرب في 28 منه ضربته فجاءت على شاكلة
هجوم مفاجىء مركز على ثكنة الجيش المصري
في غزة قتل فيه 38 جندياً وجرح 31. وشكل
هذا الحادث منعطفاً من اخطر منعطفات
تاريخ المشرق في القرن العشرين بعد الحرب
العالمية الثانية، ذلك انه ادى الى صفقة
السلاح "التشيكية" التي ادت الى
تأزم العلاقات المصرية الامريكية فسحب
العرض الامريكي المساعد في بناء السد
العالي فتأميم شركة قناة السويس. وتدهورت
في هذه الاثناء ايضاً العلاقات بين مصر
من ناحية وكل من بريطانيا وفرنسا من
ناحية اخرى بسبب الخلاف حول حلف بغداد
بالنسبة لبريطانيا وتأييد مصر لثورة
الجزائر بالنسبة لفرنسا واملت بريطانيا
في القضاء على عبدالناصر ان تعيد مجدها
في المشرق العربي، واملت فرنسا في القضاء
عليه ان يستتب لها الامر في "الجزائر
الفرنسية" والمغرب العربي، وتلألأت
امام بن غوريون فرصته الذهبية وصرخ "من
هو هذا ناصر شماصر" فكان العدوان
الثلاثي الذي كانت "اسرائيل" رأس
حربته واعلن بن غوريون بعد احتلاله سيناء
ان سيناء ليست ارض مصرية وبلدة "رأس
محمد" في جنوب سيناء الاقصى على البحر
الاحمر انما اسمه الحقيقي هو "مفراتس
شلومو". ولعل بن غوريون تذكر وهو يقول
ذلك ما كان قد دونه في مفكرته اليومية
بتاريخ 14 ايار 1948 عشية اعلانه لدولة "اسرائيل"
اذ قال "لو اخذنا اعلان استقلال امريكا
مثلاً لوجدنا انه لا ذكر لاي حدود فيه
لذلك نحن لسنا مضطرين لذكر حدود دولتنا"
قال ذلك قبل دخول الجيوش العربية البلاد.
المرحلة
الثانية: (1956-1967) من العدوان الثلاثي الى
حرب حزيران 1967 هدد
ايزنهاور "اسرائيل" بالمقاطعة
الاقتصادية كما هددها بإلغاء الاعفاء
الضريبي للتبرعات اليهودية فرضخت "اسرائيل"
بالطبع واثبت ايزنهاور بإصراره على
انسحاب "اسرائيل" انسحاباً كاملاً
من قطاع غزة وسيناء وعلى عودة الوضع الى
ما كان عليه قبل الحرب ( Status
quo ante bellum)
ان واشنطن قادرة على فرض ارادتها على "اسرائيل"
اذا ما عقدت النية فعلاً على ذلك على رغم
كل ما لدى الصهيونية والجاليات اليهودية
الامريكية من سطوة ونفوذ في الولايات
المتحدة. والتعديل
الوحيد الذي طرأ على وضع ما قبل الحرب هو
نشر قوات طوارىء دولة UNEF
على حدود قطاع غزة وفي مضيق
تيران عند مدخل خليج العقبة مما سمح
بمرور الفن الاسرائيلية فيه ورافق ذلك
تأكيد من واشنطن على انها تعتبر مياه
الخليج مياهاً دولية واعلن الامين العام
للأمم المتحدة يوثانت ان وجود القوات
الدولية تم بموافقة مصر وان القوات تسحب
في حال طلب مصر لذلك. ورفضت "اسرائيل"
ان تنشر القوات على جانبها من الحدود
ايضاً وكان هذا من المؤشرات المبكرة على
نياتها المستقبلية في هذه المرحلة.
ان
موقف واشنطن الصارم تجاه "اسرائيل"
خلال حرب 1956 تلى موقفاً صارماً سابقاً
اتخذته عام 1953 عندما هددت ايضاً بإلغاء
الاعفاء الضريبي للتبرعات اليهودية
وقطعت بالفعل مساعدتها المالية لتلك
السنة لإرغام "اسرائيل" على ايقاف
محاولتها الاولى لتحويل نهر الاردن من
المنطقة المجردة من السلاح على الحدود
السورية-الاسرائيلية، وهذان الموقفان
يلقيان اضواء كاشفة على صنع القرار
الامريكي تجاه "اسرائيل" منذئذٍ
والى يومنا هذا. فكيف ولماذا اتخذ؟ الجواب
هو ان ايزنهاور وصل الى الرئاسة بسبب
كونه بطلاً قومياً دفعته الى القمة موجة
ضخمة من التأييد الشعبي العارم من دون ان
يكون لاحد اي فضل عليه وهي حال فريدة
ووليدة ظروف استثنائية غير قابلة
للتكرار، ثم امضى ايزنهاور حياته في بيئة
عسكرية محافظة لم يكن لليهود بعد فيها اي
وجود او اثر يذكر فلم تشمل دارة زملائه
واصدقائه ولا حتى معارفه يهودا، خلافاً
للوضع العام بالنسبة لجمهرة السياسيين
الامريكيين. واختار ايزنهاور وزيراً
للخارجية جون دالاس المحافظ جداً ايضاً
والمنتمي الى النخبة الانكلوسكسونية
المغلقة على نفسها والبعيدة، ان لم نقل
النافرة، من الاوساط اليهودية. وهو الى
ذلك ذو نظرة فاحصة ناقدة للصهيونية
يشاركه فيها اخوه آلان دالاس الذي دعا
الكونغرس عام 1922 لرفض "الضغوط
الصهيونية" من موقع المسؤول عن شؤون
الشرق الاوسط في وزارة الخارجية. وآلان
دالاس هذا اصبح رئيساً للـ"سي آي آي"
اثناء ولاية ايزنهاور. نشأ
عن هذا الوضع ان الصهيونية افتقرت اثناء
هذه الولاية الى "المدخل" Access
ان قمة صنع القرار الامريكي في
الشؤون الخارجية: الرئيس ووزير الخارجية.
وكان شعورها بالفاقة اكثر ايلاماً نظراً
لما تمتعت به من حرية ذهاب واياب في عهد
الرئيس هاري ترومان السابق، ونشأ عن
الغياب شبه المطلق لاي "مدخل" يهودي
فعال عليه ان استطاع ايزنهاور ان يحدد
سياسته تجاه "اسرائيل" خلال حرب 1956
في ضوء المصلحة الامريكية العليا من دون
ان تشوبها الاعتبارات الداخلية الفئوية
او بالاحرى بالحد الدنى من التلوث منها
ذلك ان النفوذ اليهودي في الكونغرس كان
قائماً. غير ان اثر الكونغرس في صنع
السياسة الخارجية لغاية حرب فيتنام كان
اقل مما اصبح بعدها. وكان ليندن جونسون
الوثيق الصلة باليهود رئيس الاكثرية
الديمقراطية Majority Leader في
مجلس الشيوخ وهو الذي ضغط على ايزنهاور
حتى لا يلغي الاعفاء الضريبي عام 1956.
شكلت
"المجابهة" بين ادارة ايزنهاور و"اسرائيل"
خلال الخمسينات منعطفاً خطيراً في تطور
التنظيم الصهيوني في الولايات المتحدة
وصممت الحركة الصهيونية منذها ان تحول
دون تكرارها مع ادارة لاحقة وذلك باحكام
ادارة اللوبي اليهودي. فتأسست عام 1954
لجنة "الايباك" American
Israel Public Affairs Committee بإيعاز من
ابا ايبان سفير "اسرائيل" لدى هيئة
الأمم وانشأ عام 1955 "مؤتمر رؤساء
الهيئات الامريكية اليهودية الكبرى"
الذي ضم في بدايته رئيس 16 هيئة يهودية
كتنظيم قائم يعقد عند كل طارىء للضغط على
كبار المسؤولين. وما زال هذان التنظيمان
الركنين الاساسيين للنشاط الصهيوني
المباشر في واشنطن واصبحت "الايباك"
اليوم المدرسة لتخريج موظفي وزارة
الخارجية والبيت الابيض من اليهود الذين
حلوا محل "المستعربين" Arabists بينما
بلغ عدد رؤساء التنظيمات اليهودية
الكبرى المنضمة الى المؤتمر 37 رئيساً.
استمرت
"اسرائيل" في هذه المرحلة في توطيد
ذاتها وتثبيتها واصبح عدد سكانها من
اليهود عشية حرب حزيران حوالى 2,400,000 وبلغ
عدد الناخبين المسجلين لانتخابات
الكنيست السادس (عام 1956) 1,499,709 بينما كان
عددهم لانتخابات الكنيست الاول (عام 1949)
506,567 وزاد عدد سكان المدن الرئيسية فبلغ
عدد سكان تل ابيب، مثلاً، 380,000 عام 1967
بينما كان 220,000 عام 1948. وقفزت القيمة
الاجمالية لصادراتها من 28,5 مليون دولار
عام 1949 الى 503 ملايين دولار عام 1966 وبلغت
نسبة الصادرات الى الواردات عام 1966 58,8 في
المئة بينما لم تتعد 11,3 في المئة عام 1949
وكانت اهم صناعاتها في الاجهزة
الكهربائية والآلية والالكترونية. وشهدت
"اسرائيل" نمواً مماثلاً في حقل
الزراعة فزاد عدد قراها الى 750 قرية عشية
حرب حزيران وبينما استهلكت 300 مليون متر
مكعب من الماء عام 1949 استهلكت ما يزيد على
1,300,000 متر مكعب عام 1965 وذلك بفضل تحويل
نهر الاردن الذي تم في السنة السابقة من
نقطة انطلاق مختلفة عن نقطة 1953 مما مكنها
من زيادة مساحة اراضيها تحت الري من 300,000
دونم عام 1948 الى 1,450,000 دونماً عام 1967
وزيادة انتاجها الزراعي ستة اضعاف خلال
الفترة ذاتها. وعززت
"اسرائيل" خلال هذه الفترة علاقاتها
الدولية على رغم سلسلة القرارات الصادرة
عن هيئة الأمم في شجب تصرفاتها فاقامت
علاقات دبلوماسية مع تسعين دولة، ستون
منها من افريقيا وآسيا وامريكا
اللاتينية، واسست علاقات وثيقة في
افريقيا خصوصاً مع الحبشة وغانا وغينيا
وساحل العاج اضافة الى افريقيا الجنوبية.
وحافظت على علاقات جيدة مع الدول
الاوروبية الكبرى: المانيا الاتحادية
وبريطانيا وفرنسا وتم الاعتراف المتبادل
مع المانيا الاتحادية عام 1965. وباعت
المانيا الاتحادية "اسرائيل"
طائرات هليكوبتر ودبابات امريكية الصنع
بإيعاز من امريكا. وباعت بريطانيا "اسرائيل"
سفناً حربية ودبابات "سنتيوريان"
الثقيلة. لكن اهم علاقة في مجال التسلح
كانت مع فرنسا. وكان معظم طائرات "اسرائيل"
الحربية قبل حرب حزيران وخلالها فرنسية
الصنع كذلك دباباتها ومدفعيتها الثقيلة.
بيد ان الفتور بدأ يدب تدريجياً بينهما
بعد استقلال الجزائر عام 1962 بسبب حرص
الرئيس شارل ديغول على اعادة العلاقات
الطيبة مع الدول العربية وخصوصاً مع مصر. وكان
اخطر بعد على موازين القوى بين "اسرائيل"
والعرب في العلاقة الفرنسية -
الاسرائيلية التعاون السري في المجال
النووي العسكري، الذي بدأ عام 1954 بإشراف
شمعون بيريز (مهندس الشرق اوسطية في
ايامنا) ممثلاً لاسرائيل بوصفه وكيلاً
لوزارة الدفاع وكانت "اسرائيل" بدأت
تفكر في حيازة السلاح النووي بعيد اعلان
قيامها عام 1948 ، وانشأت عام 1952 لهذا الغرض
لجنة الطاقة النووية. وفي عام 1955 استغلت
مشروع ايزنهاور النووي السلمي Atoms
for Peace لتبني بمعونة امريكا
مفاعلاً بحثياً Research Reactor صغيراً
في ناحل سوريك طاقته 5 ميغاواط وتضمن
الاتفاق مع فرنسا قيامها بمساعدة "اسرائيل"
على بناء مفاعل نووي في ديمونا تتراوح
تقديرات طاقته بين 25 ميغاواط و40 ميغاواط
مقابل ان تعين "اسرائيل" فرنسا في
صناعة الماء الثقيل Heavy Water الذي
يبدو انها كانت قد طورته وهذه مادة
تستعمل في تبريد المفاعلات. وثمة دلائل
على ان مفاعل ديمونا بدأ العمل عام 1963 في
انتاج مادة البلوتنيوم التي تصنع منها
القنبلة النووية فاذا كانت طاقته 25
ميغاواط فهذه تكفي لصناعة قنبلة واحدة في
السنة، واذا كانت 40 ميغاواط فهي تكفي
لصناعة 3-4 قنابل سنوياً. واكدت مصادر
رسمية امريكية وفرنسية على حيازة "اسرائيل"
للسلاح النووي. كما اكد على ذلك عام 1986
الاسرائيلي فعنونو الذي كان يعمل
مساعداً فنياً في ديمونا، و"اسرائيل"
تنكر حيازتها السلاح النووي وترفض رفضاً
باتاً كلاً من التوقيع على معاهدة عدم
نشر الاسلحة النووية او التفتيش الدولي
على مفاعلها في ديمونا. وبحيازة السلاح
النووي اصبحت "اسرائيل" سادس دولة
نووية عسكرية في العالم بعد امريكا
وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا واكتسبت
قوة ردع هائلة لا مثيل لها لدى العرب
اضافة الى قواتها النظامية التقليدية
الضخمة المتفوقة على جيوش الدول العربية
المتاخمة لها.
لم
يتخذ ايزنهاور موقفه من "اسرائيل"
عام 1956 حباً بالعرب، بل املاه عليه حذره
من الصدام مع حليف القاهرة الاتحاد
السوفياتي الذي لمح الى وجوب قيام
العملاقين الاثنين بطرد المعتدين او الى
قيامه هو بمبادرة عسكرية من جانب واحد
علماً بان تهديد موسكو المباشر لكل من
لندن وباريس وتل ابيب تلا اتخاذ ايزنهاور
لموقفه الحازم تجاههم. ولم يلبث هذا
الاخير بعد اخراج الغزاة من مصر الا ان
اطلق مشروعه "لحماية" المشرق العربي
من اليوعية وكان هذا هو الخطر المحدق به
وهو انما فعل ذلك لان واشنطن نظرت الى كل
مناطق العالم طوال الحرب الباردة من خلال
منظار صراعها مع موسكو ولان اخراج
بريطانيا وفرنسا بهذه الشاكلة المهينة
من مصر احدث في نظرها "فراغاً"
غربياً في المنطقة كان لا بد لواشنطن من
ان تملؤه، حماية لمصالح الغرب البترولية.
وبالرغم من موقفه المتشدد من "اسرائيل"
حصلت "اسرائيل" على معونات مالية من
واشنطن خلال عهد ايزنهاور (1953-1960) قدرها 493
مليون دولار مما يدل على قوة نفوذها في
الولايات المتحدة حتى بوجود ادارة غير
متعاطفة. وباقتراب
نهائية "كابوس" ايزنهاور تطلع
اللوبي الاسرائيلي الى المرشح كينيدي
الذي كان له "مدخل" Access
عليه رغم تخوفهم منه بسبب
مواقف والده جوزيف المناصرة لألمانيا
النازية ايام عمله سفيراً في لندن في
الثلاثينات ولكنه كاثوليكياً. اضافة الى
انه لم يهرع الى تأييد "اسرائيل"
خلال العدوان الثلاثي كما فعل المرشحان
الديمقراطيان الاخران ليندن جونسون
وهوبرت همفري.
واجرى
الزعيم اليهودي كلوتزنيك صاحب "المدخل"
امتحاناً مبكراً لكينيدي في القضية
الفلسطينية ووجد اجوبته في روايته
للحادث "ضبابية" Cloudy
كما اظهر كينيدي لممتحنه
اهتماماً بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين،
فما كان من كلوتزنيك الا ان قال له "اذا
كنت تنوي ان تقول مثل هذا الكلام اثناء
معركتك الانتخابية فأخرجني من حساباتك
واخرج معي عديدين اخرين". وسأله كينيدي
"ماذا يريد اليهود ان اقول؟" فنصحه
كلوتزنيك "ان موقف ايزنهاور في السويس
لم يكن مرض وموقف ترومان عام 1948 اصاب
الهدف بإحكام On The Marka
. وعقب ذل حضر كينيدي اجتماعاً مع رجال
اعمال يهود كان بينهم كلوتزنيك فوعده
بمبلغ 500,000 دولار لصندوقه فوقف في مؤتمر
للمنظمة الامريكية الصهيونية Zionist
Organization Of America بعد ذلك ليقول
"ان هرتزل كان في السابعة والثلاثين من
عمره عندما اعلن حتمية قيام دولة "اسرائيل"
وذلك جواباً على بعض منتقديه من
الجمهوريين على صغر سنه، واضاف "ان
الشعب اليهودي منذ انتصار داوود على
جوليت Goliath لم يعتبر صغر
السن حائلاً دون الزعامة" وحصل كينيدي
في انتخابات 1960 ضد منافسه نيكسون على 80 في
المئة من اصوات اليهود مما رجح كفته عليه
ولو بنسبة قليلة فتأكدت بذلك اهمية هذه
الاصوات لكل طامح الى الرئاسة من بعده.
وعبر
كينيدي عن تقديره بتعيين كلوتزنيك
نائباً لرئيس الوفد الامريكي في الأمم
المتحدة. وقال لـ"بن غوريون" عندما
التقيا في نيويورك في ربيع عام 1961 (حسب
رواية بار زوهار مترجم سيرة الاخير) "انني
اعرف بانني انتخبت بفضل اصوات اليهود
الامريكيين فهل استطيع ان اعمل شيئاً
للشعب اليهودي"، يقول بار زوهار ان بن
غوريون ذهل لهذه الصراحة واجاب "عليك
ان تعمل ما هو الافضل للعالم الحر". ورغماً
عن ذلك كان كينيدي مؤيداً لثورة الجزائر
ومعجباً بعبدالناصر ومتطلعاً الى لقائه
وآملاً بالتعاون معه للوصول الى تسوية
خصوصاً فيما يتعلق باللاجئين
الفلسطينيين عملاً بقرار العودة 194
الصادر عن هيئة الأمم عام 1948. وفعلاً ايد
كينيدي مشروعاً اعده جاوزيف جونسون عامي
1961-1962 (هو غير ايريك جونستون مبعوث
ايزنهاور لشؤون المياه) يتضمن مبدأ اعطاء
اللاجئين الخيار بالعودة او التعويض
ولاقامة صندوق تشارك "اسرائيل" فيه
للتعويض عليهم. اغضب
المشروع بن غوريون غضباً شديداً فكتب الى
سفيره في الولايات المتحدة حسب رواية ساي
كينين مؤسس "الايباك" ان يخبر
اللوبي الصهيوني بان "اسرائيل"
تعتبر هذا المشروع خطراً على وجودها اشد
وادهى من تهديدات جميع الديكتاتوريين
والملوك العرب ومن جميع الجيوش العربية
وصواريخ ناصر وطائراته السوفياتية"فقضي
بذلك على المشروع. وفي الوقت نفسه وافق
كينيدي على بيع "اسرائيل" صواريخ
هوك Hawk
، المضادة للقاذفات فزادت بذلك قوة "اسرائيل"
الدفاعية وبالتالي الهجومية وكانت هذه
اول صفقة سلاح متطور امريكية-اسرائيلية
منذ قيام الدولة تبعها سيل لا ينقطع الى
يومنا هذا. وباغتيال
كينيدي وتولي نائبه ليندن جونسون
الرئاسة تعددت "المداخل" اليهودية
الى البيت الابيض …. مستشار الامن القومي
واخوه يوجين الرجل الثالث في الخارجية
وارثور غولدبرغ السفير في هيئة الأمم
وجون روش المساعد الخاص في البيت الابيض
وارثور كريم Krim
، وزوجته صديقان مقربان ينزلان على البيت
الابيض وعلى "عزبة" الرئيس. والسيدة
كريم مسيحية تهودت وهي عضو سابق في منظمة
الارغون الارهابية بقيادة مناحيم بيغن. واستحوذ
القتال في فييتنام على ذهن جونسون، وعند
استلامه الحكم في تشرين الثاني (نوفمبر)
1963 كان وصل عدد القوات الامريكية هناك
الى 15 الف جندي فارتفع الى 184,300 في نهاية
1965 والى حوالى نصف مليون في نهاية 1966.
وامتد القتال الى كمبوديا. وامر جونسون
بقصف منطقة هانوي قصفاً متواصلاً وكلما
ازداد الضغط الشيوعي على جونسون في جنوب
شرق آسيا ازداد الحافز لديه لرد التحية
في غربها. وتميز
الوضع السياسي الداخلي في "اسرائيل"
خلال هذه الفترة بظاهرتين: اولاهما تفاقم
ذيول فضيحة لافون مما ادى الى استقالة بن
غوريون نهائياً من الحكم وثانيهما
احتدام التنافس بين احزاب اليمين بزعامة
مناحيم بيغن والاحزاب العمالية بزعامة
بن غوريون. وبقي بن غوريون رئيساً
للوزارة ووزيراً للدفاع من نوفمبر 1955 (بعيد
استقالة موشيه شاريت) لغاية حزيران (يونيو)
1963 عندما استقال بسبب فشله في اقناع
زملائه بإدانة لافون الذي اصر على انه
كان ضحية خداع المؤسسة العسكرية اي بمعنى
اخر ضحية بن غوريون نفسه وظل بعد خروجه من
الحكم الاب الروحي لهذه المؤسسة كما كان
رئيس الاركان بين 1964-1968 اسحق رابين احد
اقرب المريدين العسكريين اليه. وخلف بن
غوريون في الحكم ليفي اشكول الذي بقي
رئيساً الى ان توفي عام 1969. وبقي
حزب "الحيروت" اليميني المنبثق عن
العصابتين الارهابيتين الارغون
والشتيرن في مرتبة ادنى من حزب الماباي
العمالي في انتخابات الكنيست الاولى (1949)
والكنيست الثاني (1951) فكانت مرتبته
الرابعة في الاولى، والخامسة في
الثانية، لكنه قفز الى المرتبة الثانية
بعد الماباي في كل من انتخابات الكنيست
الثالثة (1955) والرابعة (1959) ووحد الطرفان
صفوفهما عام 1965 استعداداً لانتخابات
الكنيست الخامسة في هذه السنة فتجمعت
احزاب اليسار فيما سمي بـ الائتلاف Alignment
، وتجمعت احزاب اليمين فيما سمي بحزب "الجاحال"
واحتفظ حزب "الجاحال" بمرتبته
الثانية في هذه الكنيست وكان "الجاحال"
يزايد على العمال في السياسة الخارجية
خصوصاً تجاه الدول العربية. كانت
هذه خلفية الاحداث الجسام التي شهدها
الوطن العربي خلال هذه الفترة من الوحدة
(1958) الى الانفصال (1961) ومن استقلال المغرب
فتونس (1956) والكويت (1961) والجزائر (1962) ومن
ثورة لبنان (1958) والعراق (1958) ونزول قوات
المارينز في لبنان وخروجها منه في السنة
ذاتها الى ثورة اليمن (1962) ونزول القوات
المصرية فيه في السنة ذاتها الى سقوط
عبدالكريم قاسم (1962) الى فشل محادثات
الوحدة بين العراق وسورية ومصر عام 1963
وما بعد. وكانت
هذه الاحداث الدولية والاسرائيلية
والعربية خلفية سعي "اسرائيل"
الحثيث مجدداً الى تحويل نهر الاردن الذي
تم لها في صيف 1964 وهي سنة انتخابات رئاسية
في الولايات المتحدة اعيد فيه ليندن
جونسون الى الحكم وهو الذي وصفه ساي
كينين مؤسس "الايباك" في مذكراته
عام 1981 بانه "افضل صديق The
Best Friend لاسرائيل من بين رؤساء
الولايات المتحدة".
وانعقد
مجلس الجامعة العربية عام 1960 اثناء
الوحدة ليعلن ان مواصلة "اسرائيل"
السعي لتحويل النهر "عمل عدواني ضد
العرب يبرر تدابير دفاعية مشتركة"
فجاء ما جاء بعد هذا الاعلان ولم يجتمع
رؤساء الاركان العرب الا في كانون الاول (ديسمبر)
1963 بطلب من سوريا الانفصالية فقرروا ان
لا مندوحة من القوة العسكرية لايقاف
اعمال التحويل فدعا عبدالناصر الى
اجتماع قمة في كانون الثاني (يناير) 1946 (وهو
اول اجتماع قمة عربية بعد اجتماع انشاص
في مصر عام 1946 قبيل قرار التقسيم عام 1947).
وتخلل اجتماع القمة تلاسن وتطاول وتجريح
لا يشرف المتفوهين به وقرر القيام بتحويل
مضاد لروافد النهر الواقعة في الدول
العربية (الحاصباني، والبانياس،
واليرموك) وانشاء قيادة عسكرية موحدة
للدفاع عنه كما قرر الطلب من ممثل فلسطين
في الجامعة احمد الشقيري المثابرة في
انشاء "الكيان الفلسطيني". وفي
ايلول (سبتمبر) 1964 وبعد بدء تدفق مياه
الاردن الى النقب في جنوب "اسرائيل"
عبر الجليل والسهل الساحلي في انابيب
قطرها 108 بوصات انعقدت قمة ثانية لتقرر
بناء السدود على البانياس والحاصباني
واليرموك وقناة تمتد 80 ميلاً داخل
الاراضي السورية تربطها ببعضها البعض.
وهددت "اسرائيل" وتوعدت وقامت
بغارات متتالية جوية ومدفعية على لاقرى
السورية ومواقع التحويل المضاد في تشرين
الثاني 1964 واذار (مارس) وايار (مايو) 1965
وتموز (يوليو) 1966 اوقفت عملياً هذا
المشروع العربي المشترك فتبين لها
ميدانياً هزالة العمل العربي الجدي مع
انه لم تكن بحاجة الى دليل عليه. وتم
لها سرقة المياه العربية بعدما سرقت معظم
الاراضي الفلسطينية قبل ذلك بعشرين
عاماً وكانت المجابهة بصدد التحويل
بمثابة "بروفة" عسكرية لما هو آت. واضاف
الى فقاقيع الشقيري (رحمه الله) اللفظية
برزت في الميدان حركة "فتح"
الجهادية تنادي بالقياس بين حرب تحرير
شعبية في فلسطين وحرب التحرير في الجزائر
وفيتنام والصين مع ان لا قياس بين هذه
وتلك. ولم تخفِ "فتح" غايتها في
توريط الجيوش العربية النظامية في حرب مع
"اسرائيل" بحجة تقاعس الدول العربية
عن القيام بواجبها اتجاه فلسطين فقامت
بسلسلة غارات صغيرة من الاراضي السورية
والاردنية لم يكن لها اي اثر عسكري يذكر
على رغم بطولة من قام بها، لكنها اضافت
الى مستودع الذرائع التي كانت "اسرائيل"
تحرص على تجميعها كما شهد بذلك موشيه
دايان في التصريح الذي روي عنه مؤخراً. وتوج
عبدالناصر (رحمه الله) هذه الذرائع من غير
قصد تحت تأثير ضغوط عربية هائلة تعرض لها
من كل صوب فاقترب رابع الاخطاء
الاستراتيجية الكبرى في حياته السياسية:
احجامه عن ممارسة صلاحياته الدستورية في
الحفاظ على الوحدة (1961) وقرار التأميم (1961)
وارسال جيشه الى اليمن (1962) اما رابع
الاخطاء وادهاها فكان طلبه سحب قوات
الدولية من قطاع غزة ومضيق تيران. الطور
الرابع (1967-1997): من التوسع العسكري الى
الهيمنة على المشرق العربي
المرحلة
الاولى (1967-1979): من حرب حزيران الى كامب
دافيد واستولت
"اسرائيل" بعد قتال لم يدم اكثر من
ستة ايام على مساحة من الارض العربية
ثلاثة اضعاف مساحتها قبل العدوان فغدت
محتلة لـ100 في المئة من الارض الفلسطينية
ما بين النهر والبحر بما في ذلك القدس
بأكملها، واشرفت من على جبل الشيخ على
دمشق شمالاً، وفي سيناء على قناة السويس
غرباً واعماق البحر الاحمر جنوباً وهجرت
"اسرائيل" خلال القتال وبعيده 250,000
لاجىء من الضفة الغربية وقطاع غزة و100,000
من اهالي الجولان وآلافاً من بدو سيناء،
كما استولت على الحقول البترولية فيها.
واستشهد حوالى 15,000 جندي عربي معظمهم من
المصريين وخسرت الجيوش العربية 70 في
المئة من اسلحتها الثقيلة بما فيها 400
طائرة تحطمت و500 دبابة تحطمت او غنمت.
وبلغت خسائر "اسرائيل" "ما
يزيد على 700 قتيل و60 دبابة و20 طائرة"
كما تصفها مصادرها الرسمية. واختلفت
ردة الفعل الامريكية على هذا العدوان
مقارنة بردة فعلها على العدوان الثلاثي
عام 1956 اختلاف جونسون عن ايزنهاور نشأة
وبيئة اجتماعية وعلاقات مع اليهود ونظرة
اليهم، كما عكست نمو اللوبي اليهودي منذ
العدوان الثلاثي ونتيجة الموقف بالذات
الذي اتخذه ايزنهاور من العدوان. وهكذا
لم يكن وارداً في ذهن جونسون على الاطلاق
ان يطالب بعودة الوضع الذي كان قائماً
قبل الحرب Status
quo ante bellum او ما يقترب من ذلك بل
بالعكس حرص جونسون عملياً على ان تبقى
الاراضي المحتلة في ايدي "اسرائيل"
الى ما شاء الله او حتى توظفها لفرض
التسوية التي تبتغيها بشروطها هي اذا ما
حلا لها ذلك. وتجسدت نظرة جونسون هذه
بمشورة الاخوين روستو والسفير غولدبرغ
في القرار 242 الذي لا يحدد اية مهلة
للتسوية المطالب بها ويترك هامشاً
واسعاً (بالانكليزية) للادعاء بعدم وجوب
الانسحاب من جميع الاراضي ويهمل كلياً اي
اشارة الى فلسطين او او الفلسطينيين
معتبراً ان القضية انما هي بين الدول
العربية ودولة "اسرائيل" مع تأكيد
ديباجية القرار على عدم جواز الاستيلاء
على الاراضي بالقوة حفظاً لماء الوجه.
وكان القرار 242 من منظور الحرب الباردة
جواب جونسون الى موسكو على المأزق الذي
حشرت امريكا نفسها فيه في فيتنام.
اسكر
النصر الساحق الشعب اليهودي حيثما وجد
واثار الاستيلاء على القدس الشرقية
وحائط البراق وكامل التراب الفلسطيني
وهزيمة القاهرة ودمشق وعمان معاً دفين
الغرائز لدى عدد متزايد منهم وجعل من كل
يهودي امريكي من دون استثناء يذكر
صهيونياً ملتزماً فزاد بذلك اللوبي
اليهودي واثره على المؤسسة السياسية
الامريكية قوة على قوة، وبلغت تبرعات
يهود امريكا خلال ثلاثة اسابيع من بدء
القتال 100 مليون دولار معظمها نقداً،
ونمت موجة من الهجرة الى "اسرائيل"
بلغت 30,000 امريكي يهودي بين 1967-1973 مما
استدعى انشاء وزارة للهجرة والاستيعاب
لتولي امورهم. وعزرت نتائج حرب حزيران
الشعور القومي بين يهود روسيا وحفزتهم
الى المطالبة بالهجرة الى "اسرائيل".
اما في "اسرائيل" نفسها فبلغ الزهو
والاعتداد بالنفس الذروة وكان الشعور
السائد "ان ليس بالامكان احسن مما كان"
وان الزمن لصالح "اسرائيل" وان
المفاوضات تعني التخلي عما باليد
وبالتالي لا وجوب لها وان العرب في عجز
سحيق وتجسد هذا الشعور اكثر ما تجسد في
القدس الشرقية وبخاصة في البلدة القديمة
اذ هدمت احياء بكاملها بجوار حائط البراق
وطرد الآلاف من سكانها ودعا بن غوريون
المتقاعد الى هدم اسوار المدينة القديمة
التي يناها السلطان سليمان القانوني
لكونها تضفي الطابع الاسلامي على القدس
الشرقية. لم
تكتفِ مصر وسوريا بـ لاءات قمة الخرطوم
الثلاث بل اردفتها بالمبادرة بمناوشات
بالمدفعية على حدودهما الجديدة ما لبثت
ان تطورت الى ما سمي "بحرب الاستنزاف"
التي دامت من حزيران (يونيو) 1967 الى تموز (يوليو)
1970. وكان الهدف منها اثبات الذات على رغم
الهزيمة والضغط على الولايات المتحدة
لكسر الجمود التي سعت "اسرائيل" الى
تثبيته في المنطقة. في
هذه الاثناء كان ولاية جونسون قد انتهت
عام 1968 وخلفه ريتشارد نيكسون الذي عين
هنري كيسنجر مستشاره للأمن القومي ووليم
روجرز وزيراً للخارجية. اما في "اسرائيلط
فقد توفي ليفي اشكول عام 1969 واعقبته في
الحكم غولدا مائير (1898-1978) الروسية المولد
والامريكية النشأة وكانت الحكومة
الاسرائيلية ما زالت حكومة اتحاد وطني
منذ تأسيسها عشية حرب حزيران تضم حرب "الجاحال"
اليميني بزعامة مناحيم بيغن اضافة الى
حزب "الائتلاف" العمالي بزعامة
غولدا مايير. ولم يكن لليهود "مدخل"
مميز على نيكسون على رغم تعيينه لهنري
كيسنجر ولا كان متعاطفاً معهم مثله مثل
معظم الجمهوريين في حينه وكان الذي يجمع
بينه وبين كيسنجر نظرة متطابقة بالنسبة
للتعامل مع موسكو في الشرق الاوسط وخارجه.
وتتلخص نظرة نيسكون الى الصراع الصهيوني-العربي
بصرف النظر عن الضغوط اليهودية
والاعتبارات الانتخابية في ضرورة
المحافظة على التفوق العسكري الاسرائيلي
في وجه حلفاء الاتحاد السوفياتي من العرب
مع الحرص على التخفيف من حدة توتر الصراع
لتلافي الصدام بين الجبارين. وبعبارة لم
يكن لدى نيكسون اهتمام خاص خارج هذا
الاطار في الشرق الاوسط ولا رغبة معينة
في تسوية النزاع الصهيوني -العربي وهو
توجه شجعه كيسنجر في المحافظة عليه.
وكانت خلفية روجرز الاجتماعية شبيهة
بخلفية الاخوين دالاس على دماثة خلق
وتوضع جم. بيد
ان القتال خصوصاً في الجبهة المصرية
استمر في التصاعد وكان نيكسون قد وصف
الوضع في المنطقة في اول مؤتمر صحافي له
على انه "برميل بارود" Powder
Keg فقام روجرز في كانون الاول (ديسمبر)
1969 بإعلان مبادرة عكست من دون شك وجهة نظر
"المستعربين" Arabists في
الوزارة الخارجية اكثر منها البيت
الابيض، ناهيك عن كيسنجر، تقوم على ضرورة
ان تكون سياسة الولايات المتحدة "متوازنة"
Balanced وعلى رفض التوسع Expansionism
وعلى ان التسوية الاقليمية
يجب الا تعكس ثقل الانتصار العسكري Weight
of conquest ورفضت المبادرة اي
خطوات احادية الجانب ودعت الى الانسحاب
الكامل من سيناء مقابل معاهدة صلح
اسرائيلية مصرية، ولم تتعرض المبادرة
الى الجولان، وبالنسبة للاردن دعت الى
الانسحاب الى حدود الهدنة مع بعض
التعديلات والى مشاركة الاردن و"اسرائيل"
في القدس كما لمحت الى اعطاء اللاجئين حق
الخيار بين العودة والتعويض.
وهبطت
السماء على رأس روجرز في اعقاب مبادرته
وعلقت غولدا مايير عليها بقولها: "لم
نخض ثلاث حروب حتى ننتحر الان". ونظمت
"الايباك" في الولايات المتحدة
مظاهرة لـ 1400 زعيم يهودي من 31 ولاية هبطوا
دفعة واحدة على واشنطن وقابلوا 250 عضواً
في الكونغرس وشنت "اسرائيل" في خطوة
تصعيدية غارات جوية في اعماق مصر للتدليل
على صلابة عزمها تجاه كل من القاهرة
وواشنطن وموسكو وطار عبدالناصر الى
موسكو وهدد بالاستقالة لمصلحة خلف "مقبول"
لدى الولايات المتحدة فأرسل الاتحاد
السوفياتي اكبر حملة له خارج حدوده قبل
غزو افغانستان فكان الصدام الجوي
الاسرائيلي الروسي في اجواء مصر وتجدد
نشاط روجرز. طالب
روجرز بوقف فوري للقتال وقدم صيغة "ملطفة"
لاقتراحه الاول قائمة على "مبادىء"
قرار 242 قبلتها مصر والاردن ولم تقبلها
"اسرائيل" في تموز 1970 الا كما انهكت
الحرب عبدالناصر فوق انهاكه بحوادث
الاردن المتزامنة وتوفاه الله في ايلول (سبتمبر)
عام 1970. وقامت
استراتيجية الرئيس انور السادات منذ
البدء على الابتعاد عن الاتحاد
السوفياتي والاقتراب من الولايات
المتحدة وعلى اطلاق المبادرات "الايجابية"
بالتوالي املاً باستدرار اهتمام امريكا
واحراج "اسرائيل" مع التنسيق الوثيق
مع السعودية. وفي 4 شباط (فبراير) 1971 اقترح
السادات ان تنسحب "اسرائيل" الى
الممرات على ان تعبر القوات المصرية
القناة اليها وتحافظ على وقف اطلاق النار
ووتفتح قناة السويس وتقيم العلاقات
الدبلوماسية مع امريكا وتعلن استعداداً
لعقد اتفاق سلم مع "اسرائيل" عن طريق
هيئة الأمم. وتقول الصحيفة الاسرائيلية
"هآرتس" ان اقتراح السادات هذا اوقع
غولدا مايير في حال ذعر Panic
ذلك انه اخر ما كان في ذهنها هو
التفاوض من اجل السلم. واكد السادات في
تصريح له في مجلة "نيوزويك"
الامريكية رغبته في التعايش السلمي مع
"اسرائيل". وفي نيسان (ابريل) 1971 اعاد
اقتراحه بفتح القناة (الملائم لامريكا)
كخطوة اولى تجاه اتفاق سلم مقابل التزام
"اسرائيل" بالانسحاب من جميع
الاراضي المحتلة فرفضت "اسرائيل"
بعد ان حصلت على تطمينات من نيكسون نفسه
فحواها ان الانسحاب الاسرائيلي لن يكون
بالضرورة الى حدود 1967 وان تسوية قضية
اللاجئين لن تضعف الصبغة اليهودية
لاسرائيل وان الولايات المتحدة ستؤمن
التوازن (اي التفوق) في السلاح واعقب ذلك
ارسال امريكا لـ 45 طائرة فانتوم مقاتلة
وثمانين طائرة سكاي هوك قاذفة كان روجرز
قد اخّر وصولها الى "اسرائيل" قبل
موافقتها على مبادرته. ومع ذلك استقال
مناحيم بيغن من حكومة الاتحاد الوطني في
آب (اغسطس) 1970 غاضباً حانقاً ومعلناً ان
مبادرة روجرز ستؤدي الى محرقة Holocaust يهودية
ثانية. وهكذا لم تفض مبادرتا روجرز بسبب
حرب الاستنزاف عن اي نتيجة ملموسة على
الارض سوى وقف القتال واسفرت الحرب ذاتها
عن 10,000 شهيد مصري و1000 قتيل اسرائيلي
اضافة الى خسائر مادية فادحة في مدن
القناة وريفه مثل هذا الالتزام واقترحت
امريكا محادثات جوار Proximity Talks برعايتها
فامتنعت "اسرائيل" وحاول روجرز
الضغط عليها ثانية باعاقة دفعة جديدة من
المقاتلات والقاذفات، لكنه اضطر بسبب
الضغوط عليه من الكونغرس ان يفرج عنها في
كانون الثاني (يناير) 1972. وبإيعاز من مصر
زار "اسرائيل" في خريف 1971 اربعة
رؤساء افريقيون للاستحصال على تعهد من
"اسرائيل" بعدم ضم اي من الاراضي
العربية فصدوا كما صد مسعى قام به امين
الأمم المتحدة كورت فالدهايم بعد ذلك
بقليل. وفي عام 1972 اعلن الكنيست "ان
حقوق الشعب اليهوي في ارض "اسرائيل"
فوق التحدي". واستمر انشاء المستعمرات
في كل من الجولان والضفة والقطاع وسيناء
واعلنت "اسرائيل" عن نيتها في بناء
مدينة ياميت Yamit في سيناء
ليقطنها 200,000 يهودي. وفي تموز 1972 اخرج
السادات من مصر الخبراء العسكريين
السوفيات وعددهم بين 15,000 - 20,000 وتطلع الى
نهاية عام 1972 وهي سنة انتخابات رئاسية
امريكية املاً بان يتحرر نيكسون كلياً في
ولايته الثانية من الضغوط اليهودية.
ولم
تلقَ اي من هذه الخطوات اي استجابة من "اسرائيل"
ذلك ان الولايات المتحدة في تعليق للكاتب
الصهيوني البريطاني المخضرم جون كيمشي
"قد عززت القوات الاسرائيلية بحيث
اصبحت سيدة Master
الشرق الاوسط فلماذا يقدمون
التنازلات الى مصر او لغيرها"؟ اما
بالنسبة لنيكسون فلم تتحقق الامال في
ولايته الثانية بل بالعكس خف تخوفه وتخوف
كيسنجر من الصدام مع السوفيات بخروجهم من
مصر واستجاب لطلب مايير في آذار (مارس) 1973
لارسال 48 مقاتلة وقاذفة جديدة. ووظف
نيكسون ذلك لتثبيت الوفاق entente مع
السوفيات، من دون اشراكهم في شؤون الشرق
الاوسط واقتصر البيان اثر اجتماع لاقمة
بينه وبين ليونيد برجنيف في حزيران 1973
على عبارة عابرة عن المنطقة دونما ذكر
لقرار 242 وكانت اهتمامات نيكسون منصبة في
معظمها في فيتنام من ناحية وفي العلاقات
مع موسكو وبكين من الناحية الثانية، وهو
الذي زار بكين في مطلع عام 1972 للضغط على
موسكو. واخذت فضيحة ووترغيت تستحوذ اكثر
فأكثر عليه بدءاً بربيع 1973.
وبدأ
خلال هذه المرحلة (عام 1972) تطور انه سيكون
له اخطر العواقب لاحقاً وهو يشهد مجدداً
على جاذبية الاصوات اليهودية في سوق
الانتخابات الامريكية ذلك ان السناتور
هنري جاكسون الديمقراطي والطامح للرئاسة
في انتخابات 1972 استجاب لمطلب صهيوني قديم
يعود الى المؤتمر الصهيوني الثالث
والعشرين المنعقد في القدس عام 1951 جرى
تكراره في المؤتمرات التالية منذئذٍ
يؤكد على حق يهود الاتحاد السوفياتي في
الهجرة الى "اسرائيل". وقرر جاكسون
ان يلحق تعديلاص بهذا المعنى على مشروع
قانون لتنظيم التجارة بين امريكا
والاتحاد السوفياتي قيد التداول في
الكونغرس ينص علىحرمان السوفيات من
منافع التجارة مع امريكا في حال عدم
تجاوبهم. وتم له ذلك على رغم طلب نيكسون
شخصياً من مايير ان تقنع جاكسون بإيقاف
مسعاه حرصاً منه على الوفاق مع السوفيات.
ووما قاله نيكسون لغولدا انه حصل على
تعهد من بريجينيف بالسماح في هجرة 35,000
يهودي الى الخارج شرط عدم سن قانون
جاكسون. وبالفعل سمحت موسكو في الفترة
1971-1981 لـ 270,000 يهودي بالهجرة ذهب 165 الفاً
منهم الى "اسرائيل" وكان هذا قبل
السيل العارم الذي اطلقه ميخائيل
غورباتشوف، وليس مصادفة ان تأتي مبادرة
جاكسون في الوقت الذي كانت "اسرائيل"
تخطط لاسكان 200,000 يهودي في "ياميت في
سيناء". هذه
باختصار شديد بعض اهم ملامح الصراع
الصهيوني-العربي على محوره الرئيسي في
هذه المرحلة: الجبهة المصرية التي شكلت
الخلفية لحرب رضمان… المحطة الكبرى على
منتصف الدرب بين حزيران وكامب ديفيد. قامت
حرب رمضان على الثلاثي: القاهرة ودمشق
والرياض وكانت المحاولة العسكرية الاولى
والاخيرة المشتركة للتصدي للقوة
العسكرية الصهيونية منذ 1948 لكنها تميزت
عن محاولة 1948 بالبون الشاسع في احجام
القوات المتصارعة على الطرفين وفي انظمة
اسلحتها وقوة نيرانها فبينما لم يكن لدى
جيوش الدول العربية مجتمعة اكثر من 22
دبابة وعشرة مقاتلات عام 1948 دفعت سوريا
وحدها على جبهتها بـ 1400 دبابة. وكما كان
الحال عام 1948 لم يقصد عام 1973 الى حرب
مجابهة الى النهاية مع العدو بقدر ما كان
القصد خصوصاً في حرب رمضان افهام تل ابيب
وحليفتها الكبرى واشنطن استحالة بقاء
الوضع الراهن على حاله وجعل الاولى تدفع
ثمنا غالياً لتشبثها الصلف به وارغام
الثانية على اعطاء المنطقة قسطاً اوفر من
اهتمامها السامي الموزع بين موسكو وبكين
وفيتنام. وتميزت
حرب رمضان بفضل المغفور له الملك فيصل
بنية الثلاثي للمرة الاولى والاخيرة في
استخدام موجودات الامة من وسائل عسكرية
وغير عسكرية مجتمعة، كما تميزت بدقة
التنسيق في مراحلها الاولى بين الجبهتين
الشمالية والجنوبية وبالحفاظ المحكم غير
المعهود عربياً على عنصر المفاجأة
المطلقة عند بدايتها. ترنحت
"اسرائيل" من هول الضربة الاولى
والاقتحام الموفق لخط "ماجينو"-"بارليف"
الذي اقامته على القناة وتوغل القوات
السورية في الجولان ولكنها ما لبثت،
ونتيجة عدم تقدم القوات المصرية لاحتلال
الممرات ان التقطت انفاسها واكملت
تعبئتها العامة واستندت الى جسر جوي
امريكي نقل 22,000 طن من العتاد الثقيل
مباشرة الى ميدان القتال للعبور الى
الضفة الغربية من القناة فكان التهديد
السوفياتي بالتدخل المباشر وكان اعلان
امريكا لحال التأهب النووية الكونية
وكان اعلان وقف القتال بعد ان استردت "اسرائيل"
الجولان واستولت على اراضٍ سورية خارجه. وخسرت
"اسرائيل" على الجبهتين 2770 قتيلاً و7400
جريح و800 دبابة و120 طائرة وكانت الخسائر
العربية 15,000 شهيد مصري و3,000 شهيد سوري و800
دبابة سورية و650 دبابة مصرية و160 طائرة
سورية و180 طائرة مصرية. واخيراً
استرعى الصراع الصهيوني-العربي اهتمام
واشنطن الجدي وتولى ادارة الازمة هنري
كيسنجر شبه مطلق اليد بسبب انغماس نيكسون
في معالجة ذيول فضيحة واترغيت التي
اضطرته الى الاستقالة في آب 1974 ليخلفه
جيرالد فورد نائبه الذي كان قليل الخبرة
في الشؤون الخارجية لكنه ذو استقامة وحسن
خلق. كانت
لدى كيسنجر عند مباشرته لمهمته الشرق
اوسطية صورة ذهنية واشحة شاملة لما يريد
ان ينجزه وما لا يريد وحيثيات الشطرين.
ففي المدى الاقرب كان الهدف فصل القوات
على الجبهتين لتثبيت وقف اطلاق النار
ورفع الحظر البترولي، ويلي
ذلك تشجيع المفاوضات بين "اسرائيل"
من ناحية ومصر والاردن من ناحية اخرى
بغية الوصل الى اتفاقات ثنائية بين "اسرائيل"
وكل من البلدين العربيين. ولم يكن كيسنجر
ليؤمن او يرغب في حل "شامل وعادل"
للصراع الصهيوني _ العربي لان ذلك سيكون
من منظوره الصهيوني "على حساب اسرائيل".
وكان الهدف من الاتفاق الثنائي المصري -
الاسرائيلي تحييد مصر عسكرياً عملاً
بنظرية توازن القوى Balance
Of Power وهي بمفهوم كيسنجر تعني
ترجيح كفة "اسرائيل" على كفة سائر
الدول العربية عن طريق "ارضاء" مصر.
اما الاتفاق الاردني - الاسرائيلي فكان
هدفه بتصوره الالتفاف حول "القضية
الفلسطينية" ومنظمة التحرير والحقوق
الفلسطينية التي لم يكن ليوليها جميعاً
اي اهتمام بالذات. كما ان كيسنجر لم يكن
معنيا كثيراً في اتفاق ثنائي سوري -
اسرائيلي بعد اتفاق فصل القوات بحجة ان
سورية حليفة موسكو وبالتالي جديرة
بالجفاء والعزل والعقاب. وكان كيسنجر
شديد الحرص على ابعاد موسكو عن الادارة
المركزية لهذه الازمة مع استعداده
لالقاء بعض الفتات امامها عن طريق
اشراكها في مؤتمرات دولية طقوسية في جنيف
وغيرها.
وظهرت
نتائج دبلوماسية كيسنجر في الميدان في
اتفاقي فصل القوات بين "اسرائيل"
ومصر في كانون الثاني 1974 وبينها وبين
سورية في ايار (مايو) 1974 واعقب الاخيرة
رفع الحظر البترولي واصطدم مسعى كيسنجر
في دفع الاتفاق المصري - الاسرائيلي
الثنائي الى امام بتعنت "اسرائيل"
حين تولى رئاسة الوزارة اسحاق رابين في
نيسان (ابريل) 1974 بعد استقالة غولدا مايير
بسبب حرب تشرين الاول وكان من آثاره في
الوضع الداخلي الاسرائيلي تقوية احزاب
اليمين التي انضمت الى تكتل جديد باسم
"الليكود" في انتخابات الكنيست
الثامن (كانون الاول 1973) اذ انخفض الفارق
بين حزب العمال (الائتلاف) وبين حزب "الجاحال"
/ "الليكود" اليميني من 56: 26 مقعداً
في انتخابات 1969 الى 51: 39 مقعداً في
انتخابات 1973. وعلى
رغم مرونة السادات وانسجامه "الفكري"
مع كيسنجر لم يفلح هذا الاخير في بلدىء
الامر في زحزحة رابين عن موقفه. وكان هذا
يعلم علم الخبير مدى النفوذ اليهود في
واشنطن وهو الذي امضى خمس سنوات سفيراً
ومرشداً للوبي اليهودي فيها وكان رابين
على قناعة تامة بان ضغط واشنطن عليه انما
بسبب النفوذ العربي البترولي وان هذا
النفوذ ظاهرة ابرة تدوم لسبع سنين عجات
يتبعها السمان فلا ضير في الجمود Immobilism
والصمود الى ان يأتي الفرج
الاكيد. وقالت "النيويورك تايمز" عن
رابين انه اشد عناداً من غولدا مايير
فحيث قالت "كلا" No يقول
رابين "ابداً" Never
. وغضب فورد لموقف رابين وهدد بـ"اعادة
النظر" Reassessement
في العلاقات الامريكية -
الاسرائيلية "فقبلت "اسرائيل"
اخيراً بعد ان غمرها كيسنجر بـ"التعويضات"
والاسلحة والتطمينات والمغريات. وكان
الاتفاق الثنائي الاسرائيلي - المصري
المرحلي Interim Agreement في
ايلول (سبتمبر) 1975 الذي وصفه رابين نفسه
بقول انه "اعطى "اسرائيل" حرية
عمل اعظم في المجال السياسي ووضع سورية
في وضع اضعف سياسياً وعسكرياً ومكن "اسرائيل"
من ان تبرز منه وهي اقوى سياسياً
وعسكرياً".
في
هذه الاثناء ومع انه لم يشترك في حرب
رمضان طالب الاردن بعقد اتفاق ثنائي بينه
وبين "اسرائيل" علىغرار ما حصل على
الجبهتين السورية والمصرية وكان من جملة
مغريات كيسنجر الى "اسرائيل" في "مذكرة
التفاهم" Memorandum
of Understanding الملحقة بالاتفاقية
المرحلية مع مصر ان تعهدت الولايات
المتحدة لاسرائيل بالا تتحدث مع منظمة
التحرير حتى تعترف هذه من طرف واحد بحق
"اسرائيل" بالوجود وبقرار 242 وهو
التعهد الذي جمد العلاقات الفلسطينية -
الامريكية لغاية عام 1989 وكان اكثر بلد
عربي تحمل مضاعفاته هو لبنان الذي انتقلت
اليه منظمة التحرير الفلسطينية بعد
اخراجها من الاردن عام 1970 - 1971. وفي اعقاب
هذا الحدث الاخير اخذت "اسرائيل"
تفكر اكثر فأكثر في "الخيار الاردني"
حلاً نهائياً للقضية الفلسطينية
للإلتفاف على منظمة التحرير الفلسطينية
عن طريق اتفاق ثنائي مع عمان. ووضعت سلسلة
تصورات لخارطة الضفة الغربية على هذا
الاساس بدأ بمشروع يغال الون عام 1970 وزير
التربية في حينه، ولب فكرة الخيار
الاردني "التقاسم الوظيفي" Functional
compromise بين الاردن و"اسرائيل"
يتولى بموجبه الاردن الادارة المدنية
لمناطق فلسطينية معينة وتبقى لاسرائيل
السلطة على الارض والمياه والمستعمرات
والامن، ولم تصل المفاوضات الاردنية -
الاسرائيلية على هذه المشاريع الى اي
نتيجة على رغم حض كيسنجر لاسرائيل على
"اغراء" الاردن بتسليم اريا اليه
كخطوة اولى. واتبعت "اسرائيل" خطة
رديفة تجاه منظمة التحرير الفلسطينية في
لبنان مستغلة خطأ الاخيرة الاستراتيجي
في اعتبار لبنان "هانوي" عربية وفي
تورطها المتزايد في السياسة الداخلية
اللبنانية ولم تعوض مكاسب منظمة التحرير
الفلسطينية المعنوية في هيئة الامم على
سلبيات ما حصدته في لبنان ولا عن اهمالها
لشؤون الاراضي المحتلة النتائج عن هذا
التورط.
واذا
كانت حرب رمضان المحطة الكبرى على منتصف
الدرب بين حرب حزيران (يونيو) وكامب ديفيد
فان الاتفاق المرحلي المصري-الاسرائيلي
كان المحطة الكبرى بين حرب رمضان نفسها
وكامب ديفيد ولعل اهم ما قدمه كيسنجر
علاوة على ما اسلفنا لاسرائيل خلال وجوده
في مركز القرار في ولايتي نيكسون (1969-1974)
وفورد (1974-1976) مساهمته الفعالة في رفع
المعونات المالية السنوية اليها الى
مستويات لم يسبق ان اقتربت منها. فقبل
ولاية نيكسون كان اعلى رقم وصلت اليه
المعونة الامريكية الرسمية في اي سنة
واحدة بين 1949-1968 (عهود ترومان وايزنهاور
وكينيدي وجونسون) هو 127 مليون دولار (عام
1966 في عهد جونسون) لكنها وصلت الى بليونين
و646 مليون دولار عام 1974 وبليونين و362
مليون دولار عام 1976 وكان مجموع ما تلقته
"اسرائيل" من امريكا في العشرين سنة
(1949-1968) بليون و324 مليون دولار بينما وصلها
في السنوات الثمانية اثناء وجود كيسنجر
في الحكم سبعة بلايين و966 مليون دولار. وفي
كانون الثاني (يناير) 1977 تولى جيمي كارتر
الرئاسة بعد جيرالد فورد وعين سايروس
فانس وزيراً للخارجية والكاثوليكي
البولوني الاصل زفيجنييف بريجنسكي
مستشاراً للأمن القومي ولم يكن لليهود
"مدخل" access
خاص على اي منهم وكانت نظرتهم
الى كيفية معالجة الصراع الصهيونية -
العربي تختلف اختلافاً كلياً عن نظرة
كيسنجر وكان كارتر اول رئيس امريكي يبدي
اهتماماً شخصياً بالفلسطينيين ومأساتهم.
واستندت
سياسة كارتر تجاه القضية الى تقرير كان
قد صدر عن مؤسسة بروكينكز للابحاث ساهم
بريجنسكي ومساعده وليام كوانت في اعداه،
اسسه: سرعة التحرك نحو حل شامل، الانسحاب
الى حدود 1967 ومعاهدة صلح وتطبيع واقامة
دولة فلسطينية او اتحاد Federation
مع الاردن شرط اعتراف منظمة
التحرير بحق "اسرائيل" في الوجود
وبالقرار 242 واشراك الاتحاد السوفياتي
بعد نضوج الحل في مؤتمر يعقد في جنيف.
وفي
غضون اشهر سقطت حكومة رابين في انتخابات
الكنيست التاسع في ايار 1977، اثر فوز
احزاب اليمين بالاكثرية للمرة الاولى
منذ تأسيس "اسرائيل" وتولي مناحيم
بيغن رئاسة الوزارة. وكانت نظرة بيغن على
نقيض تام مع نظرة واشنطن الجديدة، فشعار
حزبه الموروث عن حركة "التنقيحيين" Revisionist
بندقية تصل بين فلسطين وشرق
الاردن، وهو الذي قال عن القرار 242 انه
سيؤدي الى محرقة Holcaust جديدة،
واستقال بسببه من حكومة الاتحاد الوطني
عام 1960 والضفة الغربية لم تحتل عام 1967 بل
حررت Liberated واسمها الحقيقي
السامرة ويهودا وحق اليهود في استيطان كل
شبر من ارض "اسرائيل" ازلي ابدي ولا
اعتراف ولا اتصال بمنظمة التحرير
الارهابية حتى ولو اعترف باسرائيل،
واعتقد البعض ان هذ الآراء ستنفر اليهود
الامريكيين حلفاء حزب العمل التقليديين،
ولكن العكس حصل والتف هؤلاء من حول بيغن
بقيادة الحاخام اليكساندر شيندلر رئيس
مؤتمر رؤساء الهيئات اليهودية الامريكية
الكبرى التي تضم 37 عضواً وباشروا بالضغط
على كارتر. لم يكتفِ بيغن بالكلام فاتبعه
بالعمل على خطين، اولهما الاسراع في
وتيرة الاستيطان والدعم لحركة "غوش
امونيم" التي تأسست عام 1974 وهي التي
تقول بعدم جواز اعادة الارض اليهودية
المقدسة بعد احتلالها الى "الغرباء"
وتعتبر الاستيطان في "اسرائيل"
واحدة موحدة فرضاً دينياً واجباً على
جميع اليهود، وترجمت غوش امونيم هذه
الاراء في الاستيطان المتعمد داخل
المناطق المخصصة في مشاريع حزب العمل
للفلسطينيين. اما خط بيغن الثاني فكان
تكثيف الدعم للأحزاب اليمينية المسيحية
اللبنانية وتصعيد الضربات "الانتقامية"
رداً على عمليات منظمة التحرير من لبنان
وفي الوقت نفسه خطط بيغن بمعونة وزير
خارجيته موشيه دايان الذي كان قد ترك
الحزب العمالي للانضمام اليه للاتصال
بمصر لاستكشاف امكانات صلح منفرد معها.
وارتاح
كارتر للسادات، لكنه صدم بنجاح بيغن
وبسياساته وهو الذي دعا في آذار (مارس) في
مطلع عهده الى انشاء وطن Homeland
للفلسطينيين وحاول طيلة صيف
وخريف 1977 زحزحة بيغن عن موقفه، وطلب منه
في مقابلة معه وقف الاستيطان واعلن فانس
انه "غير قانوني" Illegal فلم
يأبه بيغن بكارتر بسبب الدعم الذي تلقاه
من يهود امريكا، وعاد من احدى رحلاته
منها ليردد قول يوليوس قيصر المشهور veni
vidi vici
" جئت ورأيت وانتصرت". وفكر كارتر
بمجابهة علنية مع بيغن Public
showdown يخاطب فيها الشعب
الامريكي شاكياً من بيغن، لكنه عاد وعدل
عن ذلك وارسل الى السادات رسالة يطلب منه
فيها القيام بعمل "مسرحي" Dramatic انقاذاً
للموقف. وحاول كارتر الالتفاف على بيغن
بالاتفاق في اول تشرين الاول (اكتوبر) عام
1977 مع الاتحاد السوفياتي على صيغة لمؤتمر
صلح في جنيف تضمنت الاعتراف بـ"حقوق
الفلسطينيين المشروعة" ومشاركة
فلسطينية (من دون الاشارة الى منظمة
التحرير الفلسطينية) في مؤتمر جنيف،
فقامت الدنيا ولم تقعد بسبب ضجيج اللوبي
اليهودي، ما اضطر كارتر الى التراجع عن
الاتفاق في 4 تشرين الاول.
وكان
السادات يراقب كل هذا، واعتبر رسالة
كارتر اليه وتراجعه عن بيان اول تشرين
الاول دليل ضعفه تجاه اللوبي اليهودي
فخطا خطوته نحو القدس التي اوصلته الى
كامب ديفيد فالمعاهدة. والمفارقة
ان كارتر مكن بيغن من تنفيذ سياسة نقيضة
لسياسته هو تنطوي على تحييد اقوى دولة
عربية من دون الالتزام بإيقاف الاستيطان
الكفيل بنسف اسس "الوطن الفلسطيني"
الذي كان كارتر يسعى اليه، والمفارقة
ايضاً ان كارتر اضطر "لتعويض" بيغن
على ما فعله الاخير، فدفعت ادارته اكثر
معونة مالية لاسرائيل دفعتها ادارة
امريكية منذ 1948، اذ بلغ ما قدمه كارتر
لاسرائيل عشرة بلايين و669 مليون دولار،
وهو مبلغ يزيد عما وصلها حتى في سنوات
كيسنجر. ولعل ام المفارقات ان كارتر"كوفىء"
على كل هذا بان هبطت نسبة اليهود الذين
صوتوا اليه في الانتخابات ضد رونالد
ريغان الى 45 في المئة مقارنة بنسبة الـ 68
في المئة الذين صوتوا له في انتخابات 1976.
المرحلة
الثانية (1978-1997): من كامب ديفيد الى اليوم طبعاً
لم يكن ميزان القوى الفعلي (وليس الكامن)
بيننا وبين "اسرائيل" في يوم من
الايام منذ تأسيسها ولغاية المعاهدة
المصرية - الاسرائيلية لصالحنا بيد ان
قاهرة المعزّ كانت الوزن الاهم في الكفة
العربية والعمود الفقري لاي عمل عربي
مشترك جاد فنتج عن تحييد مصر العسكري
واخراجها من الحلبة تعزيز لكفة "اسرائيل"
بوزن مصر وانقاص لنا بقدره ايضاً وكسب
منطق "القطر" ازاء منطق "القوم"
جولة جديدة بعد كسبه جولتين سابقتين في
الانفصال عام (1961) وفشل محادثات الوحدة
بعده وترسخت تدريجياً شرعية الانفراد
الكياني في التعامل مع الصهيونية و"اسرائيل".
وتزامنت
ذيول المعاهدة المصرية - الاسرائيلية
ومضاعفاتها المباشرة وغير المباشرة في
السنين التي فصلت ما بينها وبين اجتياح
صدام للكويت مع الحروب الروسية
الافغانية (1979-1989) والحرب العراقية -
الايرانية (1980-1988) وحولت الاولى انظار
موسكو وواشنطن عن الشرق الادنى بينما
ادخلت الحرب الثانية العرب في مجابهة
ماحقة مع نظام قضى لتوه على اكبر حليف
لاسرائيل بعد الولايات المتحدة (شاه
ايران) وابدى تعاطفاً خاصاً مع القضية
الفلسطينية فهدرت في محاربته عشرات
البلايين من الدولارات وزهقت مئات
الآلاف من الارواح العربية والمسلمة في
وقت تولى الحكم فيه في تل ابيب زعيم غلاة
"اسرائيل" واشدهم بأساً وبطشاً. وتزامن
مع كل هذا استلام رونالد ريغان لرئاسة
الولايات المتحدة (كانون الثاني / يناير
1981 - 1989) وتعيينه للجنرال الكسندر هيغ
تلميذ هنري كيسنجر وزيراً للخارجية. وكان
يغان خال الذهن خلواً تاماً بالنسبة
للعالم العربي وغيره ويضاهي جونسون في
علاقاته الوثيقة باليهود بسبب خلفيته
كممثل محترف في هوليوود. واعتمد ريغان
خاصة في الشؤون الاسرائيلية على يوجين
روستو المحامي الامريكي اليهودي
الصهيوني العتيق الذي سبق ان اشرنا الى
دوره ودور اخيه في عهد جونسون (1963-1969)
وكانت نظرة ريغان في الشؤون الخارجية
مراهقة في بساطتها وتبسيطها للامور
خلاصتها ان ثمة طرفان: "نحن وهم" us
and them اي امريكا.
والاتحاد
السوفياتي وان الاتحاد السوفياتي انما
هو امبراطورية شريرة evil
empire فحسب. اما بالنسبة
لاسرائيل فهي جزء اصيل من "نحن" وهو
بكلامه هو "الموجود asset الاستراتيجي
الوحيد المتبقي لنا الذي يمكننا
الاعتماد عليه في الشرق الاوسط بعد سقوط
ايران (يعني الشاه)". اما هيغ فطموحه
منذ قيادته لقوات الحلف الاطلسي رئاسة
الجمهورية وما وزارة الخارجية الا وسيلة
للوصول اليها، لذا كانت سياسته في الشرق
الاوسط اشد خطراً على العرب من سياسة
كيسنجر نفسه لاستدراجه لرضى اليهود
واعقب هيغ وزيراً للخارجية لمعظم
الثمانينات (1982-1988) رجل الاعمال جورج
شولتز الذي كان اول وزير للخارجية للعرب
"مدخل" عليه فاذا به فور اعتلائه
كرسيه يصد الابواب في وجوه شركاء الامس
كل الايصاد خوفاً من اولاد عمهم
وارتعاشاً.
لم
تخف على بيغن هزالة الاوضاع العربية ولا
متنانة وضعه في واشنطن خصوصاً وفي وجود
القيادة الجديدة في البيت الابيض"
ودشن ريغان سياسته الشرق اوسطية اثناء
تبادل "س. وج." في اول مؤتمر صحافي
عقده بعد انتخابه حين اجاب على سؤال حول
"لاشرعية" الاستيطان في الاراضي
المحتلة بقوله ان الاستيطان برأيه "ليس
غير شرعي" not
illegal ،
وهكذا وبكل بساطة نقض ريغان سياسات كل
اسلافه ونسخها نسخاً واعطى بيغن ضوءاً
اخضر مشعاً كان ينتظره، وليس مصادفة ان
السؤال طرح على ريغان في مطلع عهده بل
اغلب الظن انه من وحي يوجين روستو ملقن
ريغان الاجابة عنه بالتنسيق المحكم مع
"الايباك" وتل ابيب، واطلق بيغن
وخلفه شامير (1983-1992) الاستيطان من عقاله
رقعة وانتشاراً واسكاناً دونما رادع او
وازع كما اطلق يد ارييل شارون وزير دفاعه
للتخطيط "لمشروعه (مشروع شارون) الكبير"
great plan لاعادة
رسم خريطة لبنان السياسية الذي بحثه
شارون مع هيغ في تشرين الاول (اكتوبر) 1981
وشباط (فبراير) وايار (مايو) 1982.
وصال
بيغن وجال في هذ الاجواء فأعلن القدس
بنصفها الشرقي عاصة ابدية "لاسرائيل"
عام 1980 وضرب المفاعل العراقي في حزيران (يونيو)
1981 من دون ان يرفع صدام حاجبه لانهماكه في
محاربة اعداء العرب "الفرس". وصرح
بعد ضربة المفاعل ان "اسرائيل" لن
تسمح لاي بلد عربي او غير عربي (يعني
ايران وباكستان) بتطوير اسلحة الدمار
الشامل". وقام في تموز (يوليو) 1981
بالغارة على حي الفاكهاني في بيروت ذهب
ضحيتها 300 شهيد لبناني وفلسطيني، وفي
كانون الاول (ديسمبر) 1981 اعلن ضم الجولان
الى "اسرائيل" وهي ثاني ارض عربية
تضم رسمياً منذ 1967 بعد القدس الشرقية
واول ارض عربية خارج حدود فلسطين
الانتدابية ضمتها "اسرائيل". وعلق
اسحاق شامير وزير الخارجية في حينه على
تصويت الولايات المتحدة في مجلس الامن
على ادانة ضم الجولان (من دون ان تفرض
امريكا على "اسرائيل" اية عقوبة)
بقوله: "ان مصالح "اسرائيل"
والولايات المتحدة ليست متطابقة ولا بد
لنا بين الحين والاخر من ان نهتم في
مصالحنا". وكان ضم الجولان عملياً رد
تل ابيب على مبادرة ولي العهد آنذاك
الامير فهد في تشرين الثاني (نوفمبر) حين
وضع اسساً لتسوية تتضمن التعايش مع "اسرائيل"
شرط الانسحاب الى حدود 1967 وقيام دولة
فلسطينية بما فيها القدس الشرقية. ولم
يكتفِ بيغن بضرب المفاعل العربي لكنه سعى
للحيلولة دون حصول المملكة السعودية على
اسلحة تقليدية من واشنطن في معركة "الايواكس"
AWACS الشهيرة
عام 1981 اي انه كان يريد ان يكون لتل ابيب
واللوبي اليهودي حق "الفيتو" على
اية صفقة سلاح بين واشنطن وعاصمة عربية.
ومع ان اللوبي اليهودي خسر هذه المعركة
بالذات الا ان تفاصيل خسارته تدل بالعكس
على فائق قوته ذلك ان ايقاف الصفقة كان
يحتاج الى اكثرية في كل من مجلس النواب
ومجلس الشيوخ: وحثل اللوبي بالفعل على
اكثرية مجلس النواب (301 صوت مقابل 111 صوتاً)
وفشل في مجلس الشيوخ بأربعة اصوات فقط (52
مقابل 48) وذلك بعد ان تدخل ريغان شخصياً
في المعركة واعلن على التلفزيون انه "ليس
من شأن الشعوب الاخرى ان تصنع السياسة
الخارجية الامريكية" وايده علناً كل
الرؤساء السابقين الاحياء: كارتر،
وفورد، ونيسكون.
واستغل
بيغن محاولة اغتيال سفير "اسرئيل"
في لندن لاجتياح لبنان في حزيران 1982
تمهيداً لتنفيذ "المشروع الكبير"
الهادف الى تحطيم البنية المدنية
والعسكرية الفلسطينية على ارض لبنان
واخراج القوات السورية منه وتسليم "القوات
اللبنانية اليمينية" الحكم وعقد
معاهدة سلام وتطبيع معها. ايضاً يراقب
بيروت تحترق وتقصف من البر والبحر والجو
بأحدث اسلحة الترسانة الامريكية وافتكها
لغاية 4 آب (اغسطس) عندما تفوه بملاحظة
فحواها ان افعال "اسرائيل" "غير
مناسبة" بعد ان اوفد فيليب حبيب وبعد
ان استشهد 17,500 لبناني وفلسطيني معظمهم من
المدنيين. نجح
بيغن في اخراج منظمة التحرير الفلسطينية
من لبنان وكاد ينجح بفرض المعاهدة عليه
بفضل الدعم العنيد الذي تلقاه من جورج
شولتز خليفة هيغ في وزارة الخارجية لولا
بطولة المقاومة اللبنانية وصمود القوات
السورية وظهور معارضة شعبية اسرائيلية
ضد وجود "اسرائيل" في لبنان في اعقاب
مذبحة صبرا وشاتيلا واكتشاف "اسرائيل"
حسب قول معلق اسرائيلي "ان آل الجميل
ليسوا كل الكتائب والكتائب ليسوا كل
الموارنة والموارنة ليسوا كل المسيحيين
والمسيحيون ليسوا كل اللبنانيين".
وكان قد خلف بيغن في الوزارة شامير (1983-1984)
ثم شمعون بيريز الذي تعاقب على الحكم مع
شامير في حكومة اتحاد وطني (1984-1988) بسبب
حصول حزب العمال على اكثرية ضئيلة (44-41)
ازاء حزب الليكود في انتخابات الكنيست
الحادي عشر عام 1984. ولم تنسحب "اسرائيل"
من لبنان حتى 1985 لكن انسحابها لم يكن
كاملاً وهي لا تزال تحتل ما مساحته حوالى
10 في المئة من مجمل مساحة لبنان تضم اكثر
من مئة قرية وضيعة يسكنها اكثر من ربع
مليون مواطن لبنان ويقع رأس الضلع الشرقي
لجنوب لبنان المحتل عند جزين في موقع
اقرب الى بيروت منه الى الحدود
الاسرائيلية وهو يلتف ويسيطر على اكثر من
مئة قرية لبنانية اخرى جنوب صيدا وخارج
المنطقة المحتلة. ويشكل
الجنوب اللبناني المحتل الارض العربية
الثانية بعد الجولان التي تحتلها "اسرائيل"
خارج حدود فلسطين الانتدابية. ومن اخطر
الاحداث ما بين المعاهدة المصرية -
الاسرائيلية واجتياح الكويت واعظمها
اثراً على ميزان القوى بين العرب و"اسرائيل"
بدء انخلال الاتحاد السوفياتي الذي كان
اندروبوف 1980-1984) آخر زعيم صلب العود فيه
وهو الذي دعم سورية خلال اجتياح "اسرائيل"
للبنان، غير ان غورباتشوف (1985-1991) ما لبث
ان افهم سورية انه اعجز من ان يحافظ على
التوازن الاستراتيجي بينها وبين "اسرائيل"
التي كانت دمشق تعتمد عليه لسد الفراغ
الناتج عن المعاهدة المصرية -
الاسرائيلية فزادت كفة "اسرائيل"
بذلك ثقلاً على ثقل، وتجسد الانحلال
السوفياتي ايضاً في رضوخ موسكو لضغوط "اسرائيل"
وواشنطن والسماح للهجرة اليهودية
الجماعية. وفي المقابل وافقت واشنطن على
طلب شامير بتقييد الهجرة اليهودية اليها
فتدفق 700,000 مهاجر سوفياتي يهودي على "اسرائيل"
ما بين 1989 و1996 فزادت "اسرائيل" بهم
قوة بشرية وخبرات فنية على اعلى
المستويات وعادل عدد اليهود السوفياتي
الذين دخلوا "اسرائيل" خلال هذه
السنوات السبع عدد سكان "اسرائيل"
عند قيامها عام 1948 بعد سبعين سنة من
الهجرة منذ مطلع الثمانينات في القرن
الماضي. وقام
ريغان بضغط من المستعربين Arabists
في الخارجية بإعلان مبادرته
لتسوية القضية الفلسطينية بعد يومين من
خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت
في اول ايلول (سبتمبر) 1982، واكدت المبادرة
على عدم الاعتراف بمنظمة التحرير
الفلسطينية حتى تعترف الاخيرة باسرائيل
وبقرار 242 كما اكدت عدم تأييد امريكا
لدولة فلسطينية او لضم الاراضي المحتلة
من قبل "اسرائيل" وطالبت بحكم ذاتي
فلسطيني مرتبط بالاردن وبتجميد
الاستيطان والمفاوضة على مستقبل القدس.
كانت
هذه المبادرة ثاني مبادرة امريكية "شاملة"
بعد مبادرة روجرز عام 1969 واخر معزوفة
لمستعربي الخارجية رفضها بيغن رفضاً
فظاً في اليوم التالي لإعلانها واجابت
عليها الدول العربية في قمة فاس في تشرين
الثاني (نوفمبر) 1982 اجابة استندت الى
مشروع الامير فهد لعام 1981. غير ان
المبادرة بقيت كسابقتها حبراً على ورق
ولم يتوقف الاستيطان لحظة بسببها واصبح
شغل جورج شولتز الشاغل بعد فشله في فرض
المعاهدة الاسرائيلية على لبنان الثأر
من العرب ولم يعد ينظر الى المنطقة الا من
خرم ابرة "الارهاب" وكثف الضغوط على
منظمة التحرير الفلسطينية لينتزع منها
الاعتراف باسرائيل وبالقرار 242 و"بنبذ"
الارهاب (وهو شرط ثالث اضيف الى شرطي هنري
كيسنجر السابقين) من دون اي مقابل من "اسرائيل"
وتم له ذلك في كانون الاول (ديسمبر) 1988،
وكان هذا البند الوحيد في مشروع ريغان
الذي نفذ واعتبره شولتز فتحاً مبيناً
فنشر صورة عن رسالة عرفات بذلك في
مذكراته وهي الصورة الوحيدة لوثيقة
ديبلوماسية نشرها في هذه المذكرات التي
تملأ مئات الصفحات. وصمم شولتز خلال
ولايته كما يقول هو ان يعزز العلاقة بين
امريكا و"اسرائيل" (وكأنها ما زالت
بحاجة الى تعزيز) بنيوياً حتى لا تستطيع
ادارة امريكية لاحقة ان تعكسها وكان من
اهم تدابيره تحقيقاً لذلك اخراج معالجة
شؤون الصراع الصهيوني - العربي من ايدي
المستعربين وحصرها في فريق يهودي من "خريجي"
"الايباك" وبلغ ما وصل "اسرائيل"
من المعونات خلال عهد ريغان وبمشورة
شولتز 22 بليوناً و881 مليون دولار وهو ضعف
ما وصلها في عهد كارتر. ولعل
ابلغ مؤشر على تعاسة اوضاعنا تجاه "اسرائيل"
عشية اجتياح صدام الجنوني للكويت قيام
اطفال الضفة والقطاع بالتصدي لاسرائيل
بالحجارة نيابة عن القيادة الفلسطينية
والعواصم العربية على روعة هذا العمل
ونبله فجاء الاجتياح ليردف الزلزال
الرابع الكارثي بالزلازل الشرقية
الثلاثة التي سبقته عام 1967 و1948 و1914-1918،
وليضيف ذيوله السلبية وما اكثرها على
ذيولها ذلاً متراكماً وهواناً وكسباً
صافياً مجانياً للصهيونية و"اسرائيل".
وما
مؤتمر مدريد الذي حضره جميع العرب
باستثناءات قليلة الا اخطر هذه الذيول
وافدحها ومرآة صادقة لمجمل ما وصل اليه
ميزان القوى عبر هذه الاطوار والمراحل
التي اسلفنا بين العرب من ناحية و"اسرائيل"
والصهيونية العالمية والولايات المتحدة
من ناحية اخرى. لست
من المدافعين عن اتفاق اوسلو وهو الطافح
بالفجوات والنواقص ولا عن القيادة
الفلسطينية واخطائها الاستراتيجية التي
لا تحصى من السعي لتوريط الجيوش العربية
في اواسط الستينات الى نظرية ايجاد "هانوي"
عربية الى التورط في السياسة الداخلية
اللبنانية الى التجافي المتعمد تجاه
دمشق وعمان الى نسيان البعد العربي
الاصيل للقضية الفلسطينية الى عدم سجب
اجتياح صدام للكويت. بيد انني لست من
المستسهلين الطلب بإلغاء اتفاق اوسلو
ومحاربته وميزان القوى هو على ما وصل
اليه، بخاصة بعد اجتياح الكويت وولاية
كلينتون والاتفاق في نهاية المطاف يخرج
كثيراً عن كونه الناتج الطبيعي على
الصعيد الفلسطيني لمؤتمر مدريد وشروطه. ولم
يكن جورج بوش خلف ريغان (كانون الثاني /
يناير 1989-1993) نصيرا للصهيونية او
متعاطفاً مع "اسرائيل"، ولا كان
وزير خارجيته جيمس بيكر، ولا كان لليهود
"مدخل" على ايهما، وكان بوش اكثر
الرؤساء الامريكيين معرفة بالشؤون
الخارجية لا يضاهيه فيها سوى نيسكون مع
الفارق انه خلافاً لنيكسون كان بالغ
الاهتمام بالشرق الاوسط وبالصراع
الصهيوني العربي بالذات وهو الرئيس
الامريكي الوحيد الذي سبق له قبل توليه
الرئاسة ان قال كلاماً قاسياً كممثل
لامريكا في الأمم المتحدة استنكاراً
لسياسة الاستيطان الاسرائيلية كما ان
الرئيس الوحيد الذي كانت له صداقات
عربية، اما بيكر فقد كان المسؤول في
البيت الابيض عن ادارة معركة "الايواكس"
ضد اللوبي اليهودي وكان حانقاً عليه
ومزمعاً مع رئيسه بوش على عدم الرضوخ له. وغدت
امريكا سيدة العالم بعد انهيار الاتحاد
السوفياتي انهياراً كاملاً، عامي 1990-1991
وطبعاً كانت سيدة الشرق الاوسط من دون
منازع في اعقاب عاصفة الصحراء، وضم
التحالف الذي رأسته ليس دول الخليج فحسب
بل ومصر وسورية ايضاً، وبلغت شعبية بوش
في امريكا الذروة بعد اخراجه صدام من
الكويت، ومع ذلك فقد كانت شروط مؤتمر
مدريد الاساسية هي شروط اسحاق شامير: من
حيث ابعاد هيئة الأمم وتهميش دور
الراعيين واعتماد التفاوض الثنائي
المباشر، واقصاء م.ت.ف، وعدم تمثيل
الفلسطينيين تمثيلاً مستقبلاً، وتزامن
المفاوضات على الجبهات المختلفة وتحويل
قضية اللاجئين الى لجنة متعددة الاطراف
تمييعاً لمسؤولية "اسرائيل"، وكان
الفريق الخبير المرافق لبيكر هو في معظمه
ممن عينهم جورج شولتز. وكانت
"اسرائيل" قد بدأت في اواخر عام 1990
وبعد اجتياح الكويت تطالب الولايات
المتحدة بضمان قرض بعشرة بلايين دولار
لاسكان المهاجرين من الاتحاد السوفياتي
السابق فاستغل بوش الامر لاعادة التأكيد
على خطورة الاستيطان والتعويض عن سكوت
ريغان وشولتز المشين ازاءه فربط منح
القرض بإيقاف الاستيطان وهو اصلب موقف
وقفه رئيس امريكي بشأنه منذ 1967، وكانت
المجابهة العلنية وهبطت الوفود اليهودية
على الكونغرس فلجأ بوش الى الرأي العام
وتراجع اللوبي ولو الى حين، وكان هذا
التأزم بين واشنطن وتل ابيب من اسباب فشل
الليكود في انتخابات 1992 ونجاح رابين.
ولكن ما لبث بوش ان سمح بالقرض الى رابين
من دون ان يحصل منه على التزام بوقف
الاستيطان تحت ضغط مقتضيات الانتخابات
الرئاسية عام 1992 التي خسرها لصالح
كلينتون. بيت القصيد هنا هو ان حتى بوش
رضخ فكيف بنا اذا كان الرئيس بيل كلينتون
ونائبه الطامح آل غور؟ وبعد
عندما نستعرض الاطوار الاربعة التي مرت
الصهيونية بها منذ 1897 ونستشرف القرن
المقبل من الصراع معها خليق بنا ان نذكر
الى الشعب اليهودي هو اليوم شعب امريكي
من حيث العدد والثروة المادية والبشرية
والنفوذ السياسي، وهو جزء عضوي من
المجتمع الامريكي ومن النخبة السياسية
والاجتماعية والفكرية والاقتصادية فيه،
وهو متعاطف تعاطفاً كلياً مع "اسرائيل"
ومؤيد لها تلقائياً مهما فعلت، وهو قادر
تنظيماً ونفوذاً ومواد ان يؤثر في اية
ادارة حالية او قادمة تأثيراً حاسماً
لمصلحة "اسرائيل" كما فعل في الماضي
ولقد نجح نجاحاً لا حدود له في تدجين
الكونغرس الذي اصبح اداة طيعة بين يديه
وان الصراع الصهيوني العربي اصبح جزءاً
من اللعبة السياسية الامريكية الداخلية
لا علاقة لاعتباراتها بحقائق الميدان
السياسي المشرقي وان المال الذي يتدفق
على "اسرائيل" من حكومة الولايات
المتحدة اصبح اليوم اضعاف ما ترسله
المؤسسات الصهيونية وان لا رقابة او
محاسبة على انفاق هذا المال ولا سياسة
لواشنطن في صراعنا مع تل ابيب سوى سياسة
تل ابيب وان الممول لاحتلال جنوب لبنان
وللاستيطان في القدس والجولان والضفة
والقطاع هو واشنطن وهي المحافظة على تفوق
"اسرائيل" العسكري النوعي والكمي
والمتغاضية عن برنامجها الننوي
والمدافعة عنها في هيئة الأمم والمعاقبة
لكل من تصدى لها والراعية لجعل "اسرائيل"
القطب المهيمن على مشرقنا من خلال
معاهدات ثنائية بينها وبين كل بلد عربي
على انفراد. وان
الكلام عن امريكا كوسيط نزيه هراء والقول
باهتمام امريكي جدي بتسوية عادلة خرافة
وان الحكومة (وليس الشعب الامريكي الساذج
الطيب المرفه المعني اولاً واخيراً
بالبيسبول والفوتبول وكرة السلة) منحازة
انحيازاً شبه كلي بسبب ما اسلفنا، وان
هذا الوضع باقٍ لن يتغير واننا بالتالي
في صراع ليس مع "اسرائيل"
والصهيونية ولا مع هذه الادارة او تلك
ولكن مع الحكومة الامريكية بالذات اليوم
وغداً وبعد غد اننا دخلنا بالفعل عقد
الانتداب الاسرائيلي - الامريكي علينا
وان ما هو آت لن يكون اقل هولاً مما فات.
|